دانت محكمة فيدرالية بولاية فيرجينيا الأميركية خلال الأسبوع الماضي أحد أتباع المخلوع بشار الأسد بالتآمر للاتجار بأسلحة عسكرية مقابل شحن كمية ضخمة من الكوكايين الكولومبي، مع التظاهر بأن تلك الشحنة ما هي إلا صفقة لشراء الفاكهة.
كشفت محاكمة هذا الرجل واسمه أنطوان قسيس، 59 عاماً، المخططات الإجرامية لنظام الأسد المخلوع الذي عمل على ملء جيوب أهله وأقربائه والمقربين منه، على الرغم من العقوبات الدولية التي أثقلت كاهل البلد واالحرب الأهلية التي عصفت بها على مدار سنين طويلة، وذلك قبل الإطاحة به في عام 2024.
وتلك الخطة التي كشفتها عملية سرية أميركية، سعت إلى الاتجار بأسلحة سورية وأخرى روسية وإيرانية الصنع وبيعها لإحدى الميليشيات في أميركا اللاتينية، ما أكد المخاوف الكبيرة تجاه إمكانية وصول الترسانة التي تعود لحقبة الأسد لأيدي مجرمين.
لعب قسيس في هذه العملية دوراً رئيسياً بحسب ما علمته المحكمة، فقد كان" همزة الوصل بين الجماعات الإجرامية والإرهابية" في الشرق الأوسط والميليشيات الموجودة في أميركا اللاتينية.
وذكرت النيابة بأنه عمل في شركة لآل الأسد بلبنان، حيث أسهم في تمويل نظام الأسد المتوحش عبر الاتجار بالمخدرات والأسلحة وكانت لديه علاقات بحزب الله.
ومن لبنان، دخل في شراكة مع اللواء ماهر الأسد، شقيق المخلوع بشار، والقائد السابق للفرقة الرابعة مدرعات، وهذا ما جعل من الكبتاغون المنتج في سوريا بطريقة غير قانونية أهم صادرات هذا البلد.
قبل مدة طويلة من الإطاحة بالأسد، دخل قسيس في مفاوضات مع جهات تعمل على غسل الأموال وتربطها علاقات بعصابة سينالوا كارتل وبفصيل مسلح في أميركا الجنوبية يعرف باسم جيش التحرير الوطني، الذي يعمل في كولومبيا وفنزويلا، ويسعى للإطاحة بالحكومة الكولومبية، وقد صنفت الولايات المتحدة هذا الفصيل ضمن التنظيمات الإرهابية.
بدأ قسيس ومعارفه في جيش التحرير الوطني بتنفيذ خطة تقوم على إرسال الكوكايين من كولومبيا إلى سوريا ضمن حاوية شحن مملوءة بالفواكه ظاهرياً، وذلك بحسب ما أثبتته وثائق المحكمة.
والهدف من ذلك كما أعلنت النيابة هو مبادلة المخدرات عند وصولها إلى الشرق الأوسط بأسلحة تقدم لجيش التحرير الوطني.
وقد التقى مخططو تلك العملية في تركيا في خريف عام 2024، وظل قسيس يفاوض على الصفقة خلال الأسابيع التي تلت ذلك، حتى بعد اقتراب قوات الثوار من دمشق وهروب الأسد إلى روسيا.
ولم يدرك قسيس أنه وقع في شباك عملية سرية نفذتها جهات تعمل على إنفاذ القانون في أميركا.
وذكرت إحدى المصادر السرية للغاية التي تعمل لصالح إدارة مكافحة المخدرات الأميركية، اكتفت بالتعريف عن نفسها باسم سلمى فحسب عندما أدلت بشهادتها في المحاكمة، بأنها اندست بشبكة قسيس من خلال من يعملون بغسل الأموال لصالح جيش التحرير الوطني.
غير أن إدارة مكافحة المخدرات لم ترد عندما طُلب منها التعليق على الموضوع، في حين رفضت وزارة العدل الأميركية أن تعلق أصلاً.
صفقة لا بد أن تتم حتى بعد هروب الأسدشهدت سلمى بأنه بعد سقوط نظام الأسد، نفد صبر قسيس، فأكد لمعارفه في جيش التحرير الوطني بأن لديه: " كل الألعاب والكميات التي يحتاجونها" وبأنه لم" يهرب" كغيره من أتباع النظام وأعوانه.
وخلال العام الفائت، سافر قسيس إلى كينيا ليضع لمساته الأخيرة على بعض بنود الصفقة، وفي أثناء وجوده هناك وقع عقداً يقضي باستيراد حاوية شحن محملة بالفواكه ظاهرياً، بحيث ترسل من كولومبيا إلى مرفأ اللاذقية، وتحتوي على 500 كيلوغرام من الكوكايين، بحسب ما ذكرته النيابة العامة.
وبالمقابل، عرض عليهم تسليمهم بنادق هجومية، ورشاشات، وصواريخ، وقذائف هاون، وقنابل يدوية، ومسيرات، وغيرها، على أن تُعلّم قوالب الكوكايين برمز التنين المرسوم على سوار كان قسيس يرتديه، وذلك حتى يتعرف إلى شحنته عند وصولها إلى مرفأ اللاذقية.
ولكن قبل أن يتم كل ذلك، ألقت الشرطة القبض على قسيس في نيروبي، وسلمته إلى الولايات المتحدة، حيث اتهم بوضع مؤامرة تزاوج بين المخدرات والإرهاب، كما اتهم بالتآمر لتقديم دعم مادي لتنظيم إرهابي أجنبي.
وكشفت الأدلة عند المحاكمة بأن شركاءه في المؤامرة حولوا قرابة 100 مليون دولار خلال مدة تقل عن سنة ونصف، لصالح سينالوا كارتل وغيرها من التنظيمات المسلحة.
واليوم، ينتظر شركاؤه في المؤامرة من جيش التحرير الوطني أن تقوم كولومبيا بتسليمهم إلى الولايات المتحدة.
خلال المحاكمة، دافع محامي قسيس عنه بالقول إن موكله لم يكن على دراية بما يتم التخطيط له، بما أن معظم المحادثات بين المتآمرين كانت تتم باللغة الإسبانية.
غير أن أعضاء هيئة المحلفين رفضوا هذه الحجة، ودانوا قسيس بعد عدة ساعات من المداولة.
هذا وسيصدر الحكم على قسيس في تموز القادم، وترى النيابة العامة بأنه قد يحكم عليه بالسجن عشرين عاماً أو بالمؤبد.
غير أن محاميه لم يرد عندما طلب منه التعليق على الموضوع.
وتعليقاً على ذلك، قال معاذ مصطفى، رئيس منظمة فرقة الطوارئ السورية في واشنطن: " إن إلقاء القبض على شخص يتمتع بهذا المنصب الرفيع ومحاكمته، أمر بالغ الأهمية، ثم إنه شخص فاعل ولديه ارتباط وطيد بفلول الأسد وحزب الله".
تمثل إدانة هذا الشخص جزءاً ضئيلاً من المحاسبة على الجرائم التي ارتكبت أيام نظام الأسد برأي معاذ مصطفى، إلا أن ذلك يسهم في فضح العلاقات التي تربط بين العصابات الإجرامية العالمية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك