لم يعد التلفزيون يعد الجزائريين بأمر جديد، فقد تعدت القنوات والمحتوى واحد، برامج تكرر نفسها ونشرات أخبار تفيد بالمعلوم ومستقاة في مرات من محتوى مواقع التواصل الاجتماعي، كما إن برامج الترفيه قل عددها، لأن القائمين على القنوات تعوزهم المخيلة في أحيان، وفي أحيان أخرى تعوزهم الميزانية، واقتصر الرهان على تخصيص بلاتوهات في التحليل، يتكلم المدعوون إليها مرة في السياسة، ومرة في الاقتصاد ومرة أخرى في الرياضة، من غير أن يكسبوا تعاطف المتفرجين نحوهم، وقصد كسب ما تبقى من مشاهدين، فإن القنوات اهتدت إلى اللعب على المشاعر، بإدراج برامج تتطابق في ما بينها، من شاشة إلى أخرى، تروج إلى كونها برامج اجتماعية، وهي تميل إلى النميمة، أكثر مما تميل إلى إعمال العقل، تسرد حكايات عمن تطلقت، أو من طلبت الخلع من زوجها، عمن تخلى عنه والداه في الصغر، ومن عاش حياة ترف ثم انصرف إلى زهد، يجلس في هذه البرامج ضيوف كل واحد منهم يدعي أن حكايته تصلح أن يتابعها الآلاف ويستفيدون منها، لكن في النهاية لا تبلغ المشاهدات نصف الرقم المرجو منها، لأنها برامج يطغى عليها الكلام ويتوارى فيها المنطق، ترغب في استمالة الناس من غير نجاح، لأن حكاياتها مثل زبدة تذوب كلما أطلت شمس، وينساها الناس في اليوم التالي.
بينما مباريات الكرة التي من شأنها أن تجمع الجماهير، فهي ليست من تخصص القنوات في الجزائر، بحكم أن ميزانياتها لا تتيح لها شراء حقوق البث، ما يجعلها تكتفي بعرض نتائج المقابلات بعد أن يعرفها الناس أجمعين.
ولم يعد في التلفزيون ما يثير الدهشة أو الفضول أو المسرة، بل بات صندوقا نشاهد فيه أشياء نعرفها، ومتابعتها أو الانصراف عنها باتت سواء.
كما إن مواقع التواصل الاجتماعي لم تعد في مثل توهجها كما كانت في سنوات خلت، بل إنها تعج بالأخبار الزائفة، وبأنانية مستخدمين يقضون يومهم في التقاط صور سيلفي، أو عرض صور مأكولات أو ثياب، كما إنها مواقع تكتظ بفيديوهات مفبركة يجري توليدها بالذكاء الاصطناعي، إلى درجة لم نعد نفرق بين الأصلي منها والمزيف.
لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مكانا للترفيه، لأن استخدامها يترتب عليه فاتورة تنهك كاهل المواطن، نظير استخدام الإنترنت، وهي ليست فاتورة يسيرة.
لم يعد يجد فيها الناس ما يلهيهم عن مشقة يومهم، لا يتلهون فيها في تجاوز الضجر أو يتناسون فيها متاعب الشغل، بل إنها تزيد من الضغط عليهم وترفع هرمونات الاكتئاب.
إنها لا توفر لهم سببا في الضحك، أو في كسر الملل، بل إن الأخبار السياسية تطغى عليها، والأخبار السياسية ليست فرجة في هذه الأيام، بل إنها مواقع يُنصح بالتريث في استخدامها وعدم الإسراف، أن نحذر منها بدل أن نبادر إلى تصفحها، وهذه الحالة من الانصراف عن التلفزيون، وكذلك مواقع التواصل الاجتماعي تنجم عنها إطالة في ساعات الفراغ في حياة الإنسان، ولا يتراءى بديل في ملء الفراغ، عدا العودة إلى الأدب، إلى الكتاب، إلى المطالعة، فنعيد اكتشاف ذواتنا بعدما هجرنا الكتاب سنين مضت.
تنطلق الرواية من التخييل، لكن عندما تنسجم عناصرها فإنها تبلغ مقاما يتقاطع مع الواقع، فلا نفرق بينها وبين الحقيقة، بشكل يجعل القارئ يتماهى معها، يرى فيها صورته، بل يشعر بأنه جزء منها، يلاقي فيها ما لا يلاقيه في أمكنة أخرى، تصير مرآة له وشفاء كذلك من أوهام، من غير أن نغفل عما تتضمنه من معرفة تفيد قارئها، أو استعادة إلى ماضٍ مجهول أو استحضار شخصيات يسمع عنها من غير أن يعلم تفاصيل أخرى تخصها.
تجعل الرواية قارئها يعيد اكتشاف ذاته ويبتكر الحياة التي يرجوها لنفسه.
تفتح له بابا من أجل تأمل ما يدور من حوله وأن يتخيل حياة غير التي يعيشها.
إن الرواية عتبة لا بد منها من أجل أن يتصالح الإنسان مع ثقافة القراءة.
تسهل له العودة إلى أصله لأن أصل الإنسان يبدأ من مطالعة كتاب.
ففي زمن تتبدد فيه شهوة مواقع التواصل الاجتماعي وتتراجع فيه سطوة العوالم الرقمية، وهو زمن كذلك يبهت فيه التلفزيون، تصير القراءة في موقع الحسن من أجل أن تسترد سلطتها، أن تتبوأ موقعا في أعلى اهتمامات المواطنين.
لكن ما ينقص صناعة الكتاب في البلاد هي أن تجد من يستثمر فيها في الحين ويجني منها أرباحا بعد حين، أن نتخلص من فكرة أن الكتاب لا بد أن يبيع نفسه بنفسه، بل الكتاب في حاجة إلى آلة ترويج، إلى أن يحظى بنصيب من الإعلانات ومن الإشهار، أن نتعامل معه كصناعة لا مجرد فسحة تخييل، أو معرفة وأن على الآخرين أن يذهبوا إليه من تلقاء أنفسهم.
ألا نفكر في سلبية، في عرض كتاب ثم نترقب قارئا يصل إليه من غير جهد.
صحيح أن الناشر في الجزائر لا يزال عالقا في ثقافة الاتكال، يتكل على الحكومة بأن تتيح له معارض للكتاب دولية أو محلية، أن توفر له سقفا يعمل تحته، وقد أثبتت هذه السياسة في العقود الماضية أن منافعها ليست كثيرة، لأن حصر سوق الكتاب في موسم واحد، في أيام معدودات من معرض كتاب، تودي إلى تكدس الكتب.
والكتاب في حاجة إلى مرافقة طوال العام، إلى استثمار في الترويج وفي الإعلانات، أن يذهب الكتاب بنفسه إلى الناس لا أن نترقب وصولهم إليه.
أن يقنع الناشر الناس ببضاعته، مستفيدا من تحولات المرحلة، بعد أن تراجع العالم الرقمي وبات على الناشر أن يقتنع بالأعمال التي يصدرها ثم يقنع الآخرين باقتنائها.
إذا كانت التلفزيونات التي لا تفيد حياة الناس بالإضافة، مع ذلك تدافع عن حقها في الحصول على داعمين وعلى معلنين، فلماذا يخجل الناشر من سلعته ولا يستفيد بدوره من داعمين في ترويج الكتاب؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك