ليس من السهل على من عاش في هذه البلاد أن يُفاجأ.
فالمفاجآت هنا نادرة، أو ربما نحن الذين تعلمنا، تحت وطأة التجربة، ألا نُفاجأ.
لكن ما جرى مع فريق الصحفيين في شبكة CNN في قرية تياسير بالضفة الغربية، وتحديدًا ردّ فعل الجيش الإسرائيلي على حادثة الاعتداء من جنوده، يستدعي التوقف قليلًا ليس بسبب الحادثة بحد ذاتها، وإنما بسبب ما تلاها من استجابة سريعة وغير مألوفة.
إذ كان الرد هذه المرة مختلفًا، وبالأخص في سرعة ردّ الجيش، الذي أعلن أن ما جرى" لا يمثل قيمه"، وأتبع ذلك بإجراءات فورية شملت فتح تحقيق وتعليق نشاط كتيبة كاملة.
هذا الرد يطرح سؤالًا يتجاوز الحادثة نفسها: هل نحن أمام حالة استثنائية فرضتها ظروف معينة، أم أمام مؤشر على نهج جديد قد يتكرر مستقبلًا؟بالذات أن الجيش سبق أن أدان حوادث أخرى، بما في ذلك مواقف تورط فيها جنود بتوفير حماية لمستوطنين خلال اعتداءات سابقة، ما يعزز الانطباع بأن هناك إدراكًا متزايدًا لأهمية ضبط السلوك الميداني، ولو في حدوده الدنيا.
وربما لا يمكن فصل هذه الاستجابة أيضًا عن الحضور الإعلامي الدولي، الذي يفرض أحيانًا إيقاعًا مختلفًا في التعامل مع الأحداث، ويُسرّع من وتيرة ردود الفعل الرسمية.
لكن، وبغض النظر عن الدوافع، فإن ما جرى يثبت أمرًا مهمًا: أن الجيش الإسرائيلي قادر على التحرك السريع، وقادر على محاسبة وحداته، بل واتخاذ خطوات تنظيمية واضحة عند وقوع تجاوز.
وهنا تحديدًا يتبلور السؤال الحقيقي: إذا كانت هذه القدرة موجودة، فهل ستتحول إلى سياسة ثابتة؟ وهل سنشهد مستقبلًا محاسبة مستمرة لأي تجاوز، بغض النظر عن هوية الضحية أو حجم التغطية الإعلامية؟غير أنَّ التحدي الحقيقي لا يكمن في إصدار البيانات أو فتح التحقيقات، بل في تحويل هذه الخطوات إلى نمط دائم من المحاسبة.
فالمعيار الذي وُضع اليوم، تحت ضغط الكاميرا، سيُختبر غدًا في غيابها.
كما أن المصداقية ليست وليدة حادثة واحدة، وإنما نتاج تراكم ممارسات متسقة تعكس التزامًا فعليًا حقيقيًا، لا ظرفيًا.
وبالتالي، فإن السؤال لم يعد متعلقًا بحادثة بعينها، بل بمستقبل هذا النهج: هل سنرى جيشًا يلتزم بشكل ثابت بمحاسبة أفراده كلما وقع تجاوز؟ أم أن ما حدث سيبقى استثناءً تفرضه ظروف خاصة؟ الجواب لا يزال مفتوحًا، لكن ما هو مؤكد أن هذه الحادثة رفعت سقف التوقعات، ووضعت معيارًا جديدًا ستُقاس عليه كل الاستجابات القادمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك