في ظل استمرار التوترات الأمنية في الشرق الأوسط، تزداد حوادث سقوط المقذوفات وشظايا الطائرات المسيّرة في مناطق مأهولة بالعراق، وبالتالي الحوادث.
لم تعد التهديدات الأمنية المرتبطة بالحرب الأميركية والإسرائيلية الحالية في الشرق الأوسط تقتصر على أهداف عسكرية أو مواقع محددة في العراق، بل تشمل مدنيين يتعرّضون لسقوط مقذوفات وشظايا طائرات مسيّرة بعد اعتراضها في الأجواء، داخل أحياء سكنية.
وأصيب ثلاثة مدنيين في منطقة الإسكان، غربي العاصمة بغداد، أخيراً، وتضررت سيارات نتيجة سقوط مقذوفات.
وتكرر ذلك في منطقة الشالجية حيث أصيب شخصان.
وفي أربيل عاصمة إقليم كردستان، أصيب مدنيون بهذه الشظايا، وتعرّض مقهى شعبي في حي" الإسكان" الحيوي لسقوط حطام طائرة مسيّرة كانت اعتُرضت في الجو، ما خلّف أضراراً كبيرة شملت منازل ومحال وسيارات، وأثار الذعر والهلع بين الأهالي الذين يخشون أن تتحوّل إلى ظاهرة متكررة.
ويؤكد سكان في مناطق متضررة أن هذه الحوادث تثير خوفاً شديداً في غياب أي إنذار مسبق أو إجراءات وقائية واضحة.
ويقول سيف عبد الله الذي يسكن في منطقة الشالجية لـ" العربي الجديد": " ليس الخطر بعيداً عنا، بل أصبح فوق رؤوسنا مباشرة، ولا نعرف متى وأين سيسقط المقذوف التالي.
وهكذا باتت عائلات تتجنّب البقاء في أماكن مفتوحة ليلاً، خوفاً من سقوط مفاجئ لبقايا مسيّرات أو صواريخ".
وفي شهادة أخرى لأحد سكان منطقة الإسكان، يقول جاسم الساعدي لـ" العربي الجديد": " الأضرار التي لحقت بالمركبات كانت مفاجئة وصادمة، وكادت تتحوّل إلى كارثة بشرية لحظة السقوط لو كان أحد بداخلها".
ويترافق هذا القلق الشعبي مع تصاعد الدعوات كي تتحمّل الجهات الحكومية مسؤولة حماية المدنيين وضمان سلامتهم.
ويشدد الناشط الحقوقي علي باسم، في حديثه لـ" العربي الجديد"، على أن" الحكومة مطالبة باتخاذ إجراءات عاجلة وفعّالة للحدّ من الظاهرة، سواء عبر تحسين أنظمة الرصد والاعتراض، أو من خلال وضع خطط طوارئ للتعامل مع سقوط الحطام في المناطق السكنية".
ويؤكد أن" استمرار هذه الحوادث من دون معالجة حقيقية يعكس خللاً في منظومة الحماية المدنية، ويضع حياة المواطنين في دائرة الخطر اليومي".
ويرى مراقبون أن تعقيد المشهد الأمني في العراق، في ظل تعدد الجهات المسلحة وتداخل مناطق النفوذ، ساهم في خلق بيئة غير مستقرة تزداد فيها احتمالات وقوع أضرار جانبية نتيجة العمليات العسكرية.
ومع تزايد استخدام الطائرات المسيرة في الهجمات، سواء من قبل فصائل مسلحة أو في سياق التوترات الأمنية، تتكثف عمليات الاعتراض التي قد تنجح في تحييد هدف، لكنها لا تمنع بالضرورة سقوط الحطام على الأرض.
وفي كثير من الأحيان تكون هذه البقايا خطرة، سواء بسبب احتوائها على مواد متفجرة غير منفجرة، أو نتيجة سرعتها العالية عند الارتطام.
كما أن بعض الهجمات التي تخطئ أهدافها تساهم مباشرة في زيادة المخاطر، حيث تسقط المقذوفات في مواقع غير مقصودة تكون غالباً مأهولة بالسكان.
ويشير الخبير في الشأن الأمني، جبار المسعودي، في حديثه لـ" العربي الجديد"، إلى أن" غياب مناطق عازلة أو إجراءات إخلاء في حال حصول تصعيد يُضاعف الخطر، خصوصاً في المدن المكتظة، مثل بغداد، حيث تقترب الأحياء السكنية من مواقع حساسة".
وعموماً يواجه العراقي حالياً معادلة صعبة بين البقاء في منزله باعتباره ملاذاً آمناً نظرياً، وبين الخشية من أن يتحوّل المنزل نفسه إلى هدف عرضي لسقوط مقذوف أو حطام مسيّرة، وهو ما حصل لينعكس ذلك على الحالة النفسية للسكان، حيث زادت مشاعر القلق والتوتر، خصوصاً لدى العائلات التي تضم أطفالاً، في ظل غياب رسائل طمأنة واضحة أو خطط حكومية معلنة للتعامل مع المخاطر.
ويرى المسعودي أن" معالجة الظاهرة تتطلب مقاربة شاملة لا تقتصر على الجانب الأمني، بل تشمل أيضاً تعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وتوعية المواطنين بشأن كيفية التصرف في حال سقوط أجسام غريبة، إلى جانب وضع آليات سريعة لتعويض المتضررين، كما أن التنسيق بين الجهات الأمنية يصبح ضرورة ملحة لتقليل احتمال سقوط حطام في مناطق مدنية، عبر تحديد مسارات آمنة لعمليات الاعتراض بقدر الإمكان".
ويجري ذلك في ظل استمرار التصعيد الأمني وتعدد مصادر التهديد.
وتشكّل المقذوفات وشظايا الطائرات المسيرة واحدة من أخطر التحديات غير المباشرة التي تواجه المدنيين في العراق اليوم.
وبينما تتواصل هذه الحوادث بوتيرة مقلقة، يجد المواطن نفسه في مواجهة خطر لا يمكن التنبؤ به، ما يضع ملف السلامة المدنية على رأس الأولويات التي تتطلب تحركاً عاجلاً وفعّالاً من قبل الجهات المعنية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك