برز مصطلح “الجبهة الداخلية” لأول مرة خلال الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918)، لكن على نطاق محدود، ثم أخذ المفهوم ينتشر دولياً على نطاق واسع منذ الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945) إلى وقتنا الحاضر.
لكن ما المقصود بهذا المصطلح؟ بعيداً عن التعريفات العلمية، يمكننا تبسيط المفهوم بأنه السواد الأعظم - من شعب أية دولة - بجميع طبقاته من المدنيين غير العاملين في أجهزتها العسكرية والأمنية.
وهؤلاء لا يقلون أهمية عن “الجبهة العسكرية” الأمامية للدفاع عن حياض الوطن والشعب، أياً كان وضع هذه الدولة معتدية أو معتدى عليها.
فالجبهة العسكرية إنما تستمد قوتها من الجبهة الداخلية، فهي الخزان الاحتياطي البشري للتجنيد والتعبئة العامة زمن السلم، ووقت الحرب بصفة خاصة.
وفي الدول التي يتكون شعبها من نسيج اجتماعي متعدد الديانات والأعراق، تغدو المحافظة على تماسك الجبهة الداخلية بالغة الأهمية، وتتقاسم مسؤوليتها الدولة والشعب معاً، وفي طليعته مؤسسات مجتمعه المدني والأحزاب ورجال الدين، والأجهزة الإعلامية.
ذلك بأن العدو الخارجي يمقت تماسك “الجبهة الداخلية”، ويعي عمق أهميتها القصوى للدولة التي يستهدفها بعدوانه، ومن هنا يستميت في خلخلة تماسك الجبهة الداخلية للدولة المعتدى عليها والنفاذ منها لزعزعة جبهتها العسكرية الأمامية.
ومن الأهمية بمكان أن يمارس شعب الدولة المستهدفة “حياته الاعتيادية” للحفاظ على معنوياته النفسية بعيداً عن القلق المفرط، ودون التقليل أيضاً من المخاطر التي تواجهه وواجبات الحذر، وكل ما يلزم من مستلزمات الطوارئ والحفاظ على السلامة العامة للجميع بالتعاون مع الدولة.
وعلى سبيل المثال أتذكر بأنه، باستثناء قرار وقف الدوري العام لكرة القدم - لأسباب أمنية - خلال حرب الاستنزاف بُعيد هزيمة 1967، فإن الرئيس المصري جمال عبدالناصر أمر بأن تستمر كل البرامج الترفيهية العامة، بما في ذلك عرض أفلام السينما.
وخلال الحرب العالمية الثانية التي أُقحمت مصر فيها عُرضت أفلام رائعة مثل: “ليلى بنت الفقراء” من بطولة ليلى مراد، والفيلم الغنائي “سلامة” لأم كلثوم و”العزيمة” وغيرها، كما عُرضت مسرحيات كوميدية وأخرى اجتماعية هادفة لنجيب الريحاني.
وفي تقديرنا بأن حرص دول مجلس التعاون الخليجي على أن تكون حياة شعوبها اعتيادية خطوة في الاتجاه الصحيح.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك