في كمبوديا، لا تأتي الأزمات فجأة، بل تتراكم بصمت حتى تتجلى آثارها في تفاصيل الحياة اليومية.
فمنذ العام الماضي، لم تهدأ النزاعات العسكرية الحدودية مع تايلاند رغم الهدن الموقعة، ما ألقى بظلاله على الاقتصاد المحلي، قبل أن تتفاقم الضغوط بفعل ارتدادات نزاعات الشرق الأوسط، في ظل أسعار طاقة متقلبة، وتضخم يضغط على الأسواق، واقتصاد يعتمد بشكل شبه كامل على الخارج لتأمين احتياجاته الأساسية.
هذا الاعتماد يتضح في قطاع الطاقة تحديداً.
فكمبوديا تستورد أكثر من 90 % من احتياجاتها من الوقود، وفق بيانات وزارة المناجم والطاقة الكمبودية، ما يجعلها شديدة الحساسية لأي اضطراب عالمي.
ومع تصاعد أزمة الشرق الأوسط، ارتفعت أسعار النفط عالمياً، حيث تجاوز خام برنت 100 دولاراً للبرميل في فترات ما، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار الوقود المحلية.
ومن هذا الارتفاع، تبدأ سلسلة التأثيرات الاقتصادية.
فالبنك الدولي أشار في تقريره عن كمبوديا (2024 – 2025) إلى أن التضخم في البلاد ارتفع إلى نحو 3 – 4 % مدفوعاً بأسعار الغذاء والوقود، وهي نسبة تبدو محدودة رقمياً لكنها مؤثرة في اقتصاد منخفض الدخل.
كما أن أكثر من 60 % من القوى العاملة تعمل في قطاعات غير رسمية، ما يجعلها أكثر عرضة لتقلبات الأسعار من دون شبكات حماية كافية.
انطلاقا من هذا الواقع، يصبح النزاع الحدودي أكثر خطورة مما يبدو.
فاشتباكات عام 2025 بين كمبوديا وتايلاند، والتي شملت استخدام المدفعية ونزوح آلاف المدنيين، لم تقع في فراغ، بل في اقتصاد هشّ.
وأي تصعيد جديد يعني ليس فقط مخاطر أمنية، بل تعطّل التجارة الحدودية التي تُقدّر بمليارات الدولارات سنوياً بين البلدين، إضافة إلى ارتفاع تكاليف النقل والإمداد داخل كمبوديا نفسها.
هذا التشابك الداخلي يوسّع التأثير إقليمياً، فكمبوديا جزء من اقتصاد آسيان البالغ نحو 3.
6 تريليون دولار، وتعتمد على الممرات البرية مع تايلاند لتدفق السلع.
وأي اضطراب حدودي يعطل سلاسل التوريد ويضغط على الصناعات الخفيفة والزراعة داخل البلاد ويرفع تكاليف الإنتاج والتوزيع.
ومن زاوية الخليج، تتضح أهمية هذه الأرقام أكثر.
فدول آسيان تستورد نحو 60 % من احتياجاتها النفطية، وجزء كبير منها يأتي من الخليج، وهذا يعني أن استقرار كمبوديا مرتبط عملياً باستقرار تدفقات الطاقة من الخليج.
في المقابل، تفتح هذه المعادلة فرصة لدول الخليج لتعزيز استثماراتها في الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد في كمبوديا، التي تبحث عن شركاء قادرين على تخفيف تقلبات السوق.
كمبوديا لا تواجه نزاعاً حدودياً فقط، بل تتحرك داخل اقتصاد عالمي مضغوط، حيث تتقاطع حدود متوترة مع أسعار وقود متقلبة، فتتحول زيادات الطاقة إلى ضغوط اجتماعية مباشرة، والتوترات إلى اختبارات قاسية للصمود، في مشهد يذكّر الخليج بأن أثر الطاقة يتجاوز التصدير إلى هندسة الاستقرار.
* صحافي وكاتب إندونيسي، مهتم بشؤونمنطقة جنوب شرق آسيا، مقيم في كوالالمبور.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك