ينتظر ذوو معتقلين لدى قوات سوريا الديمقراطية (قسد) منذ سنوات أي معلومات عن مصير أبنائهم، في ظل غياب الوضوح حول الجهة المسؤولة عن هذا الملف وتضارب المرجعيات التي تديره.
ومع استمرار إدارة" قسد" لملف السجون، يجد الأهالي أنفسهم أمام واقع معقد، إذ لا يعرفون إلى من يوجهون مطالبهم أو من يتحمل المسؤولية عن أوضاع المعتقلين، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تدهور أوضاعهم داخل السجون.
وفي 18 كانون الثاني الماضي، رأى سياسيون أن توقيع الرئيس السوري أحمد الشرع على اتفاقية وقف إطلاق النار والاندماج الكامل مع" قسد"، والتي تنص على نقل ملف السجون ومخيمات تنظيم" داعش" إلى الحكومة السورية، يشكل خطوة نحو توحيد الجهود.
لكن بالنسبة للحاجة أم محمد، يمثل هذا الاتفاق اختباراً لقدرة الحكومة على تحمل مسؤولياتها تجاه ابنها المعتقل منذ سنوات.
في الاعتصام الذي شارك فيه أهالي معتقلي" قسد" يوم الأربعاء، كانت الحاجّة أمّ محمد تجلس على حافّة الرصيف حاملة صورة ابنها المعتقل، وقد فقدت التواصل معه بعد تنفيذ اتفاقية الدمج، هي تبحث الآن عن مكانه، ولا إجابة لا من قبل قوات سوريا الديمقراطيّة، ولا من قبل الحكومة السوريّة، وكأنّ الأرض انشقّت وابتلعته.
أهالي المعتقلين، الذين ظلوا سنوات يراقبون تحركات" قسد" ويعدّون كل معلومة عن أبنائهم، عاد إليهم الأمل، ربما ستتوقف معاناتهم، ربما سيُسمح لهم بمعرفة إن كان أولادهم على قيد الحياة، وربما ستتغير حياة أحبائهم، لكن الواقع سرعان ما أظهر وجه الحقيقة، لم يكن هناك أي تغيير ملموس بعد أكثر من شهرين على توقيع الاتفاقية، بقيت أبواب السجون مغلقة، والأمل بدأ يتلاشى تدريجيّا باستثناء دفعات لأعداد محدودة، كشف فيها من خرج عن أعداد كبيرة حوّلتها قسد على العراق.
في الحسكة، حيث أصبحت وجهة لأعداد متزايدة من أسر المعتقلين لدى قسد، بقي الوضع مأساويًا، وضبابيا حول مستقبل من يقيم هناك، فالمسؤولية القانونية والأمنية التي نص عليها الاتفاق كانت موجودة على الورق، لكن لم تُترجم بعد إلى حماية فعلية أو متابعة حقيقية، لتصبح مجرد توقيع على وثيقة رسمية.
أهالي المعتقلين يقفون أمام البوابات الموصدة، بالقرب من سجن الأقطان في الرقّة، وسجون علايا والصناعة وجركين في الحسكة، يراقبون من بعيد، يسمعون عن الإجراءات القانونية والوعود الرسمية، لكن كل شيء يبدو بعيدًا، كما لو أن الاتفاق لم يُوقع أبدًا.
سؤال واحد يسيطر على كل تفكيرهم: من المسؤول عما يحدث؟ هل" قسد" التي كانت تحتفظ بالمعتقلين؟ أم الحكومة السورية التي أصبحت مسؤولة رسميًا؟ أم المسؤولون الدوليون الذين شاهدوا ولم يتحركوا؟ وهل يمتد جزء من المسؤولية لكل من يغض الطرف؟داخل السجون، يظل الصمت قاتلًا، كما كان الكلام خارج السجن قاتلا، يهمس الأهالي عن حقوق المعتقلين، عن ملفات غامضة، عن محامين محجوبين، لكن لا شيء يغير الواقع، ومع ذلك، يبقى الأمل خيطًا دقيقًا، كما تبقى كلمات آباء المعتقلين معلقة بين الركام: " يجب أن يتحمل الجميع المسؤولية، ويُسمع صوتنا، لا يمكن أن يُترك الأبرياء بلا حماية.
"تقول أمينة محمد في حديثها لتلفزيون سوريا، إنّ ابنيها معتقلان لدى قوات قسد في سجن الأقطان، رغم صدور قرار قضائي يقضي بإطلاق سراحهما، و أنّها تنحدر من مدينة دير حافر بريف حلب، وقد مضى 21 يوماً على وجودها في مدينة الرقة، حيث تقضي لياليها في الحدائق العامة بانتظار الإفراج عن ولديها.
وتضيف أنّ القرار القضائي لم يُنفّذ حتى الآن، مؤكدة أنّها لا تعرف مصيرهما، وتقول" لم يفعل لنا أحد شيئاً".
من جهته، يقول حسن الموسى، وهو أحد المفرج عنهم من السجن نفسه، إنّه حُكم بالسجن سبع سنوات بتهمة التعامل مع هيئة تحرير الشام، مشيراً إلى أنّ عدداً كبيراً من المعتقلين ــ بحسب قوله ــ محتجزون ظلماً.
ويضيف الموسى أنّ ظروف الاحتجاز سيئة للغاية داخل السجن، لافتاً إلى وجود معتقلين لا تعرف عائلاتهم شيئاً عن مصيرهم أو أوضاعهم منذ فترة طويلة.
مصدر لموقع تلفزيون سوريا، يعمل في جهة رسمية ضالعة في الملف، يقول إنّ القوائم التي ترسلها الحكومة السورية إلى" قسد" لا يتم التقيد بها، ويكشف أنّ الدفعة الأولة كانت 100 معتقل، أكثر من نصفهم من خارج القائمة، وقد أرسلتهم قسد من المنتمين فعليا إلى تنظيم" داعش"، ومنهم من بترت أطرافه أو أصيب بأمراض مزمنة، بينما المعتقلون ظلما أبقتهم في سجونها.
ويؤكد المصدر أنّ عمليات الترحيل إلى العراق شملت معتقلين أبرياء، وهذا يعكس عدم رغبة" قسد" في التعاون بجديّة بملف المعتقلين والسجون، إذ كيف تهمل قائمة الحكومة التي شملت جميع المظلومين ووضعت بدقّة.
لكن الخبير القانوني المعتصم الكيلاني يرى أن تُفهم المسؤولية في ملف المعتقلين على مستويين: قانوني وأخلاقي، فقانونياً، تقع المسؤولية المباشرة على الجهة التي تحتجز الأشخاص وتسيطر عليهم، أي قوات سوريا الديمقراطية، بينما تبقى الدولة السورية معنية بشكل غير مباشر بحكم التزاماتها تجاه مواطنيها وضرورة السعي لكشف مصيرهم.
أمّا أخلاقياً، فتتحمل الدولة مسؤولية أوسع لأنها الجهة المفترض أن تدافع عن حقوق مواطنيها وتتابع قضاياهم.
وبالنسبة لأهالي المعتقلين، يرى الكيلاني أن التحرك لا يقتصر على الاحتجاج، بل يبدأ بتوثيق الحالات بدقة، ثم اللجوء إلى القنوات الرسمية وتسجيل القضايا لدى الجهات الدولية مثل الصليب الأحمر أو آليات مجلس حقوق الإنسان.
كما أن العمل الجماعي والضغط الإعلامي السلمي يساعدان في إبقاء القضية حيّة وفرضها كملف لا يمكن تجاهله.
وفي حين يستمر نقل المعتقلين إلى العراق على خلفية تفاهم ثلاثي بين القيادة المركزيّة الأميركيّة والحكومة السوريّة وقسد، إلى أنّ هؤلاء المعتقلين لا يخضعون إلى معايير واضحة أو رتّبت ملفاتهم بشكل دقيق، مع أنّ القيادة المركزية أصدرت سابقا بيانا عن المتحدث باسمها يتضمن بعض تفاصيل الاتصال الهاتفي الذي جرى بين الشرع وقائد القيادة المركزية الأدميرال براد كوبر، حيث ناقش الاتصال خطة نقل معتقلي تنظيم الدولة من سوريا إلى العراق، وأهمية عدم وجود معيقات لهذه العملية، لكن كما يشير ناشطون فإنّ عدم وجود معيقات سمح بنقل الأبرياء أيضا إلى العراق.
هكذا تبقى سجون قسد، بين الدمج الرسمي، وبين المعاناة الحقيقية للمعتقلين وأهاليهم، صدىً لمرارة الواقع، الورق يمكن أن يحمي المسؤولين، لكنه لا يخفف الألم، ولا يعيد ما فقد، ولا يجيب عن سؤال: لماذا يُحتجز أبناؤنا بلا أفق واضح تحت سلطة أصبحت سلطة رسمية؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك