يعيش الأيتام في قطاع غزة واقعاً إنسانياً بالغ القسوة في أعقاب حرب الإبادة التي خلّفت جراحاً مفتوحة في تفاصيل حياتهم اليومية؛ إذ لم يعد فقدان المعيل هو التحدي الأبرز فحسب، بل تداخلت معه أزمات معيشية ونفسية عميقة، تثقل كاهلهم وتضاعف معاناتهم.
وبحسب وزارة التنمية الاجتماعية في غزة، بلغ عدد الأيتام في القطاع 64,616 يتيماً، منهم 55,157 نتيجة فقدان آبائهم خلال الحرب الأخيرة.
وسجلت محافظة غزة النسبة الأعلى بـ 21,125 يتيماً، أي ما يعادل 32,7%، في ظل ظروف إنسانية قاسية تشمل النزوح، وفقدان المأوى، ونقص الغذاء، والخدمات الصحية والتعليمية.
ويعيش العديد من الأطفال الأيتام في غزة داخل بيئات غير مستقرة، سواء في مراكز إيواء مكتظة أو منازل مدمرة جزئياً، ما يخلق شعوراً دائماً بعدم الأمان.
كما تتحمل الأمهات أو الأقارب عبئاً مضاعفاً في رعاية الأطفال وسط موارد محدودة، الأمر الذي ينعكس على جودة الرعاية اليومية، من التغذية إلى المتابعة الصحية.
من الناحية النفسية، يعاني عدد كبير من الأيتام اضطرابات مثل القلق، والخوف المزمن، والانطواء، نتيجة مشاهد العنف وفقدان الأب أو كلا الوالدين.
ويظهر ذلك في سلوكاتهم اليومية، مثل صعوبات النوم والتبول اللاإرادي والتراجع الدراسي.
ومع ضعف خدمات الدعم النفسي، تبقى هذه المشكلات من دون علاج كافٍ، ما قد يترك آثاراً طويلة المدى على نموهم وتوازنهم العاطفي.
تقول الفلسطينية ميساء الربعي (35 عاماً) وهي أم لخمسة أطفال وفقدت زوجها في الحرب: " منذ استشهاد زوجي، أصبحت المسؤولية مضاعفة، أحاول توفير الطعام لأطفالي، لكن الظروف صعبة جداً".
وتوضح الربعي لـ" العربي الجديد" أن أكثر ما يؤلمها هو خوف أطفالها الدائم، فهم يستيقظون ليلاً من الكوابيس ولا تستطيع دائماً تهدئتهم، إلى جانب النقص الشديد في المواد الأساسية، وسط أوضاع معيشية واقتصادية متردية.
أما في التعليم، فقد أدى تدمير المدارس أو استخدامها ملاجئَ إلى انقطاع آلاف الأطفال عن الدراسة، أو اضطرارهم إلى التعلم في ظروف غير ملائمة تفتقر إلى الحد الأدنى من الأدوات، وهو الواقع الذي بات يدفع بعض الأطفال، خاصة الذكور، إلى سوق العمل لمساعدة أسرهم، ما يهدد مستقبلهم ويرسّخ دائرة الفقر.
من جانبها، تلفت الفلسطينية ابتهال الصليبي (42 عاماً) وهي أم تعيل ثلاثة أيتام: " أطفالي حُرموا من التعليم لفترة طويلة بسبب النزوح، نحاول التعلم في الخيمة، لكن لا يوجد كتب كافية ولا بيئة مناسبة، ابني الأكبر بدأ يفكر في العمل لمساعدتنا بدلًا من إكمال دراسته".
وتوضح الصليبي لـ" العربي الجديد" أن الحرب على قطاع غزة دمرت حياتها، حيث سلبت منها زوجها الذي كان سنداً حقيقياً لها ولأطفالها، إلى جانب تدمير بيتها، واضطرارها إلى النزوح أكثر من مرة بين مخيمات النزوح ومراكزها التي تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة الطبيعية.
ويعكس واقع الأيتام في غزة بعد الحرب أزمة إنسانية طويلة الأمد، تتطلب تدخلًا شاملًا لا يقتصر على الإغاثة العاجلة، بل يشمل برامج مستدامة للدعم النفسي، والتعليم، والحماية الاجتماعية، بما يضمن إعادة بناء حياة هؤلاء الأطفال ومنحهم فرصة حقيقية لمستقبل أفضل.
تقول الفلسطينية يسرى حميد وهي أم تعيل أربعة أطفال: " أصعب ما أواجهه هو الجانب النفسي لأطفالي، يسألونني دائماً عن والدهم ولماذا لم يعد، أحاول أن أكون قوية من أجلهم، لكننا بحاجة لدعم نفسي حقيقي يساعدنا على تجاوز هذه المرحلة".
وتبين حميد لـ" العربي الجديد" أنها تعيش" معركة يومية" لتوفير متطلبات أسرتها المتزايدة يوماً بعد يوم، مشيرة إلى أن" أطفال العالم يعيشون بأمان وسلام، حتى الأيتام منهم تتم رعايتهم والعناية بمتطلباتهم، بينما يعيش أطفال غزة في أسوأ حالاتهم".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك