لا تنتهي الحروب دائمًا حين تصمت المدافع أو تتوقف الغارات أو تُوقَّع اتفاقات التهدئة.
ففي كثير من الأحيان، تغيّر الحرب تكتيكها وتتربص بصمت تحت التراب على شكل ألغام ومخلفات غير منفجرة تنقل الموت من خطر ظاهر على الجبهات إلى عدو خفي في الحقول والطرقات والبيوت وأماكن اللعب والرعي والعمل.
ويحتفل العالم في الرابع من أبريل/ نيسان من كل عام باليوم الدولي للتوعية بخطر الألغام، وذلك تذكيرًا بالمخاطر التي تشكلها الألغام الأرضية والمتفجرات على المدنيين والمجتمعات.
ويأتي هذا اليوم وفقًا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر عام 2005، بهدف زيادة الوعي العالمي، وتعزيز جهود الوقاية، وتشجيع الدول على تكثيف جهودها في إزالة الألغام وحماية حياة الأبرياء.
ترتبط الحرب غالبًا بمشاهد القصف والدمار والنزوح، لكن ما يظل أقل حضورًا هو ما تتركه في الأرض بعدها.
فالألغام لا تُرى بالعين المجردة غالبًا، ولا تحظى بالانتباه نفسه الذي تحظى به صور الدمار المباشر، لكنها تبقى قادرة على الفتك لسنوات طويلة، بصمتٍ لا يقل عنفًا عن انفجارها المفاجئ.
قد تبدو الأرض ساكنة، لكن خطوة واحدة قد تكفي لتحويل رحلة إلى مأساة، والعمل إلى إصابة دائمة، والنجاة من القصف إلى خسارة مؤجلة.
ولهذا، لا تبدو الألغام مجرد بقايا تقنية للنزاع، بل جزءًا من استمراره بوسائل أخرى: فهي تمنع الناس من استعادة حياتهم، وتبقي الخوف حاضرًا حتى بعد انحسار المعارك.
وهذا ما يجعلها من أكثر آثار الحرب قسوة ومكرًا.
فهي لا تفرّق بين جندي ومدني، ولا بين زمن المعركة وزمن ما بعدها.
لكنها كثيرًا ما يقع ضحاياها من أولئك الذين يظنون أن الخطر انقضى: مزارع يعود إلى أرضه، طفل يلعب في مساحة مفتوحة، راعٍ يسلك طريقًا مألوفًا، أو عائلة تحاول الرجوع إلى بيتها بعد أشهر من النزوح.
تبدو الألغام، في أحد وجوهها الأوضح، سلاحًا ضد الحياة المدنية نفسها، لا ضد الخصم العسكري فقط.
وتقلب الألغام معنى الأرض في حياة الناس.
فتحوّل الأرض التي يفترض أن تكون مكانًا للرزق أو السكن أو المرور أو اللعب، إلى احتمال دائم للخطر مما يؤثر على إحساس المجتمعات بالأمان.
ويصبح أثر الألغام مضاعفًا في المجتمعات الزراعية خصوصًا.
فالمزارع الذي لا يستطيع دخول حقله لا يخسر موسمًا فقط، بل يخسر مصدر رزقه ومعنى استقراره أيضًا.
كما تفقد القرية التي تبقى أطرافها ملوثة بالألغام الأمان وقدرتها على استعادة إيقاعها الطبيعي.
ولا يقتصر الأمر على المناطق الريفية وحدها.
ففي كثير من أماكن النزاع، تصبح الطرق، والساحات، ومحيط المنازل، وحتى الأماكن التي تبدو مألوفة تمامًا، مناطق يحيط بها الشك.
ويبدد هذا الخطر ثقة السكان بالمكان، ويجعل العودة إلى الحياة العادية عملية بطيئة وشاقة.
خطر يهدد الأطفال والمدنيينتحصد الألغام سنويًا عدد من القتلى والمصابين في صفوف المدنيين الآمنين الذين لم ينخرطوا في الحرب أصلًا.
ووفق بيانات دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام (أونماس)، لعام 2025، " تسقط ضحية واحدة كل ساعة في المتوسط، غالبيتهم من الأطفال".
فالطفل لا يدرك دائمًا معنى الأجسام الغريبة أو المناطق المشبوهة، وقد يتعامل مع بعض مخلفات الحرب بفضول طبيعي، لا بخوف واعٍ.
كما أن كثيرًا من البيئات التي شهدت نزاعات طويلة تعاني أصلًا من ضعف التوعية، أو من تداخل مناطق السكن واللعب مع أماكن الخطر.
وهنا، يصبح الطفل في مواجهة تهديد يفوق قدرته على الفهم والحماية.
وقد تعني النجاة من انفجار لغم بداية لمعاناة طويلة.
فكثيرون يخرجون من انفجار لغم بإعاقات دائمة، أو بجراح معقدة، أو بصدمة نفسية طويلة، أو بفقدان القدرة على العمل والحركة.
فالإصابة قد تغيّر شكل حياة الأسرة كلها، وتفرض أعباء علاج ورعاية، وتضع المصاب أمام تحديات يومية تتعلق بالحركة والعمل والتعليم والعلاقات الاجتماعية، تجبر الإنسان على إعادة بناء حياته.
ولهذا، لا ينبغي اختزال خطر الألغام في عدد الضحايا المباشرين.
فهي لا تقتل فقط، بل تعيد تشكيل الحياة اليومية للناجين، وتدفعهم إلى مواجهة آثار الحرب في أجسادهم وذاكرتهم وعلاقتهم بالعالم من حولهم.
لذا يصبح نزع الألغام ومخلفات الحرب غير المنفجرة مسارًا أساسيًا ضمن جهود الإغاثة وإعادة الإعمار بعد الحروب.
فإزالة الألغام ليس ملفًا تقنيًا أو هامشيًا، بل شرطًا أساسيًا للتعافي بعد الحرب.
فهي تتصل بالأمن، والغذاء، والاقتصاد، والتعليم، والصحة النفسية، وحق الناس في الحركة والعودة والعمل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك