" من يُحكم السيطرة على أمواج البحر، يسيطر على العالم كله"، بهذه العبارة لخص القائد العسكري والمؤرخ ألفريد ثاير ماهان جوهر الصراع على النفوذ العالمي، رغم أنه لم يعاصر الطائرات أو الدبابات أو القنابل الذرية.
وبعد أكثر من قرن، لا تزال مقولته تحتفظ براهنيتها، فكما تشير صحيفة" كلكليست"، خلال الشهرين الأخيرين من عام 2023، ضرب الحوثيون ثماني إلى تسع سفن في البحر الأحمر، ما كان كافياً لتعطيل نقل البضائع إلى أوروبا ورفع أسعارها في بعض المسارات بنسبة 250%.
وهكذا، في الثاني من مارس/ آذار الماضي، أغلقت إيران مضيق هرمز، ما عطّل إمدادات النفط العالمية حتى الآن.
كيف يمكن فرض السيطرة على البحر من دون الإبحار فيه؟ تجيب الصحيفة: عبر صواريخ" ساحل-بحر" التي تصفها بـ" القرش الطائر ملتهم السفن".
وبحسبها، فإن هذه الصواريخ تعمل بشكل مستقل ويمكن إطلاقها من شاحنات لمسافات تتراوح بين عشرات ومئات الكيلومترات، وقد صممت للتحليق على ارتفاع منخفض جداً لا يتجاوز بضعة أمتار فوق سطح الماء، ما يجعل رصدها واعتراضها مهمة بالغة الصعوبة.
وفي وصفها تفاصيل عمله، تقول الصحيفة إن الصاروخ يطير نحو السفينة المستهدفة باستخدام نظام القصور الذاتي، وأحياناً بمساعدة الأقمار الاصطناعية.
وعند اقترابه من الهدف، يفعّل راداراً صغيراً لتصحيح مساره بدقة، ولا يفعل ذلك إلا قرب الهدف لتفادي اكتشافه.
وبحسب الصحيفة، يسهل هذا السلاح عمل طاقم الإطلاق؛ إذ يجمع رادار الساحل بيانات الهدف والاتجاه والمسافة، بمساعدة طائرات مسيّرة ووسائل أخرى عبر مركز إدارة النيران.
وبعد الإطلاق، يمكن للشاحنة الاختفاء خلال دقيقة داخل مخزن أو نفق.
كما يمكن للصواريخ الحديثة استقبال تحديثات أثناء الطيران واختيار نقطة الإصابة في السفينة.
وتجهز هذه الصواريخ برؤوس حربية تزن مئات الكيلوغرامات، مصممة لاختراق دروع الهدف والانفجار داخله.
وتحتوي بعض النماذج على شحنة مزدوجة: أولى لاختراق الدرع، وأخرى تنفجر بعد ذلك.
ويهدف هذا التصميم إلى تعطيل السفن الحربية عبر استهداف قمرة القيادة أو مركز العمليات، ويمكنه أيضاً تدمير غرفة المحركات أو مستودعات الذخيرة.
أما بالنسبة للسفن التجارية، فالتأثير يختلف، إذ قد لا يؤدي الاستهداف إلى إبطائها إذا كانت تحمل مواد غير قابلة للاشتعال، لكن الأضرار تكون كارثية إذا كانت تحمل مواد مثل النفط.
وبالنسبة للمهاجم، تعد هذه الصواريخ وسيلة فعالة ورخيصة لتهديد الممرات البحرية، فيما يعد التصدي لها مكلفاً ومعقداً.
فصاروخ يطير بسرعة 900 كلم/ساعة وعلى ارتفاع أربعة أمتار قد يجبر الخصم على مرافقة كل سفينة تجارية بسفينة حربية.
كما يفرض على الطائرات الحربية ملاحقة منصات الإطلاق المتحركة، وهو تحد كبير حتى لأقوى الجيوش.
وتشير الصحيفة إلى أن هذه الصواريخ هي السبب الرئيسي في استمرار إغلاق مضيق هرمز حتى الآن.
طور النازيون أول صاروخ مضاد للسفن خلال الحرب العالمية الثانية بوصفه سلاح جو-أرض، حيث أضاف مهندسو شركة" هنشل" الألمانية محركاً صاروخياً إلى قنبلة موجهة عن بعد أطلقوا عليها اسم HS293، وتمكنوا من إغراق سفن به منذ عام 1943.
أما الولايات المتحدة، فقد طورت قنبلة موجهة بالرادار تُعرف باسم BAT، لكنها لاحقاً ركزت على الأسلحة النووية الاستراتيجية، معتقدة أنها كافية لحسم أي صراع.
وفي المقابل، طوّر الاتحاد السوفييتي صواريخ كروز مضادة للسفن، منها KS-1، ثم صاروخ P-15" تيرمت" الذي انتشر لاحقاً في دول عدة، بينها دول عربية.
وقد استخدم هذا الصاروخ في أكتوبر/ تشرين الأول 1967 عندما أصابت البحرية المصرية المدمّرة الإسرائيلية" إيلات"، ما أدى إلى مقتل 47 من طاقمها.
لاحقاً، تطورت هذه الصواريخ عالمياً، ومن أبرزها الصاروخ الفرنسي" إكسوسيت"، الذي جرى تحسينه لاحقاً في الصين.
ووصلت نسخ منه إلى حزب الله الذي استخدمه في حرب يوليو/ تموز 2006 ضد سفينة إسرائيلية.
تعلمت إيران تشغيل الصواريخ المضادة للسفن من الولايات المتحدة قبل الثورة الإسلامية عام 1979، عندما تسلمت صواريخ" هاربون".
وبعد قطع العلاقات، عمل مهندسوها على تحليلها وتطوير نسخ محلية، ثم اشترت صواريخ C802 من الصين وطورتها أيضاً.
وبذلك، بات لدى إيران ترسانة من الصواريخ المضادة للسفن، منخفضة الكلفة، مقاومة للتشويش، وسهلة التشغيل.
ومن بينها صاروخ" نصر 1" بمدى 35 كلم، وصاروخ" قادر" الذي يصل مداه إلى 200-300 كلم.
ورغم أن دقته أقل من نظرائه الأميركية أو الروسية، فإنه يشكل تهديداً كبيراً، خصوصاً عند إطلاقه بأعداد كبيرة.
وتؤكد الصحيفة أن هذه الصواريخ تمنح إيران تفوقاً في الصراع على السيطرة البحرية، نظراً إلى سهولة نشرها وإخفائها، إذ يمكن إخفاؤها في شاحنات مدنية.
وفي مواجهة هذا التهديد، ترى الصحيفة أن الولايات المتحدة تواجه صعوبة في تدمير جميع منصات الإطلاق بسبب عددها وانتشارها، وأن الحل يكمن في الضغط السياسي على إيران لإعادة فتح المضيق، وليس في الحسم العسكري المباشر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك