تشهد محافظة السويداء جنوبي سورية أزمة خبز حادة، بعد توقف جميع الأفران عن العمل نتيجة نفاد مخزون الطحين وتعثر وصول التوريدات الأسبوعية، في ظل تصاعد التوترات الأمنية وقطع طريق" دمشق - السويداء"، ما أدى إلى شلل شبه كامل في حركة الإمدادات الأساسية.
وقال مصدر محلي من محافظة السويداء لـ" العربي الجديد"، إن" قافلة تابعة لبرنامج الأغذية العالمي، منعت لليوم الثاني على التوالي، من عبور حاجز المتونة، وكانت تحمل نحو 402 طن من الطحين، إضافة إلى مساعدات إنسانية أخرى"، الأمر الذي انعكس مباشرة على توفر مادة الخبز، ودفع المحافظة إلى حافة أزمة معيشية خانقة، خاصة مع توقف صهاريج المحروقات والقوافل التجارية بالتوازي.
وبحسب مديرية حماية المستهلك في محافظة السويداء، فإن الكميات التي تصل إلى السويداء لا تغطي الحاجة الفعلية، إذ تحتاج المحافظة إلى نحو 750 طناً من الدقيق أسبوعياً، بينما لا يتجاوز الوارد 500 طن في أفضل الأحوال، وهو ما يفرض تقنيناً دائماً في عمل الأفران حتى في الظروف الاعتيادية.
ومع توقف الإمدادات هذا الأسبوع، خرج العديد من المخابز عن الخدمة، لتدخل المحافظة فعلياً في أزمة خبز مفتوحة.
وفي هذا الصدد، أكد مدير فرن السويداء، أنس نوفل، أن" كميات الطحين الواردة إلى المحافظة لا تلبي الاحتياجات اليومية، ما أدى إلى توقف عمل الفرن الألي، في خطوة من المتوقع أن تزيد من الضغط على الأهالي".
وأوضح أن آخر كمية من الطحين جرى توزيعها، أمس الجمعة على المعتمدين، مشيراً إلى أن أفران السويداء ستتوقف عن العمل اعتباراً من يوم نفاد المخزون، في وقت ترتفع فيه أسعار الخبز في السوق السوداء بشكل متسارع.
وأضاف نوفل في تصريح لـ" العربي الجديد" أن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة كان يزود المحافظة بنحو 500 طن من الطحين أسبوعياً، دون أن يعلن عن موعد وصول دفعات جديدة، رغم تمديد البرنامج لتزويد أفران السويداء بالطحين لمدة 90 يوماً.
وأعرب عن أمله في وصول كميات إضافية في أقرب وقت ممكن لتفادي تفاقم الأزمة وتأثيرها المباشر على الأهالي، لا سيما الفئات الأكثر هشاشة التي تعتمد على الخبز المدعوم بشكل أساسي.
وأشار نوفل إلى أن توقف الفرن الألي قد يؤدي إلى زيادة الطلب على الأفران التقليدية التي تواجه بدورها صعوبات في تأمين الخبز، ما يرفع احتمالات ظهور الطوابير والاحتكاكات بين المواطنين، ويزيد من الضغوط على سوق المواد الغذائية في المحافظة.
كما لفت إلى أن استمرار الأزمة سيجعل من الصعب الحفاظ على استقرار أسعار الخبز في السوق المحلي، ويهدد بتفاقم المشاكل الاجتماعية والاقتصادية للأسر.
وكان المكتب الصحافي في محافظة السويداء قد حذّر، اليوم السبت، من اقتراب حدوث أزمة في مادة الخبز نتيجة نفاد الكمية المخصصة من الطحين، مشيراً إلى أن المحافظة وجّهت كتاباً إلى فرع المخابز دعت فيه إلى التواصل الفوري مع الجهات الحكومية المعنية لاستجرار كميات إضافية، بهدف الحفاظ على استقرار تأمين المادة الأساسية.
وبحسب البيان المنشور عبر قناة" تليغرام"، لم يُسجّل أي تجاوب فعلي أو خطوات عملية حتى الآن، ما يضع عملية الإنتاج أمام خطر التوقف ويهدد بتفاقم الأزمة في حال استمرار التأخير، رغم تأكيد المحافظة التزامها بمتابعة تأمين الاحتياجات الأساسية ودعوتها إلى تحرك عاجل لتدارك الوضع.
ويرتبط تعطّل القوافل بالتطورات الأمنية الأخيرة في بلدة المتونة، والتي انعكست بشكل مباشر على حركة النقل، وأدت إلى إغلاق الطريق الحيوي الذي تعتمد عليه السويداء في تأمين احتياجاتها الأساسية.
ويؤكد متابعون أن استمرار إغلاق هذا المعبر يهدد بتفاقم الأزمة سريعاً، ليس فقط في الخبز، بل في مختلف السلع الغذائية والمحروقات.
وتعتمد السويداء بشكل رئيسي على المساعدات التي يقدمها برنامج الأغذية العالمي، والتي تُنقل عادة عبر الهلال الأحمر العربي السوري لتوزيعها على الأفران، في ظل ضعف الإنتاج المحلي واعتماد المحافظة شبه الكلي على التوريدات الخارجية.
وكانت قوافل قد دخلت خلال الأسابيع الماضية ونجحت مؤقتاً في تجنب الأزمة، عبر تزويد نحو 22 مخبزاً بالطحين، إلا أن هذا الاستقرار بقي هشاً ومؤقتاً.
ورصد" العربي الجديد" جزء من الأزمة، ففي أحد أحياء مدينة السويداء، يقف الرجل الخمسيني، هاني جربوع أمام فرن مغلق منذ أيام، بعد أن اعتاد على الانتظار لساعات للحصول على ربطة خبز.
وقال لـ" العربي الجديد": " كنا ننتظر، لكن في النهاية نحصل على الخبز.
اليوم لا يوجد شيء ننتظره أصلاً".
وأضاف أن" عائلته بدأت تعتمد على الخبز اليابس وما توفر من بدائل محدودة، في ظل ارتفاع الأسعار وصعوبة تأمين المواد الغذائية الأخرى".
وفي ريف المحافظة، تحاول فريال أبو فخر التكيّف مع الواقع الجديد عبر الخبز المنزلي، رغم كلفته المرتفعة.
وأوضحت أنها اشترت كمية من الطحين بسعر مرتفع، وتعمل على تقنين استخدامها لأطول فترة ممكنة، في ظل نقص المحروقات الذي يجعل عملية الخَبز نفسها مرهقة، وقالت لـ" العربي الجديد": " لم يعد الخبز أمراً مسلّماً به، بل أصبح عبئاً يومياً، وكل يوم نفكر كيف سنؤمّنه".
أما سلمان البيك، وهو صاحب متجر صغير في المدينة، فيرصد تبدلاً واضحاً في سلوك الناس، إذ بات الخبز السؤال الأول لكل زبون.
وأوضح أن الطلب ارتفع على المواد البديلة مثل المعكرونة والبرغل، مع اتجاه بعض العائلات إلى التخزين تحسباً للأسوأ.
وقال لـ" العربي الجديد" إن" المشكلة ليست فقط في انقطاع الخبز، بل في أن الناس لا تعرف متى ستنتهي هذه الأزمة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك