يواجه اقتصاد بريطانيا تداعيات ممتدة للحرب في المنطقة تبدأ من بنود الفاتورة اليومية للمستهلكين، وحتى قطاع العقارات، نتيجة لارتفاع أسعار الطاقة وتزايد التشاؤم بشأن ما يكتنف الأداء الاقتصادي للمملكة المتحدة.
وعلى الرغم من تراجع التكهنات بشأن ارتفاع وشيك في أسعار الفائدة خوفاً من تداعياتها على التوظيف والاستثمارات، فإن ما بات مؤكداً الآن هو عدم إقدام بنك إنكلترا (البنك المركزي) على خفض الفائدة كما كان متوقعاً قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير/ شباط الماضي.
وكانت الرهونات العقارية وأسعار المنازل هي الأكثر تأثراً بذلك، فقد سارعت البنوك ومؤسسات الإقراض إلى رفع معدلات الفائدة على القروض العقارية في خطوة تحسبية حتى من دون أن يرفع البنك المركزي سعر الفائدة الرئيسي.
فأسعار النفط المرتفعة بسبب الحرب لم تؤثر على فواتير الطاقة فقط، بل امتدت أيضاً إلى سوق الإسكان في بريطانيا من خلال رفع تكاليف الاقتراض.
وارتفع متوسط معدلات الرهن العقاري إلى 5.
5% الأسبوع الماضي، وهو الأعلى منذ 18 شهراً، بحسب شركة البيانات المالية" موني فاكتس".
ويعني هذا أن من يقترض 250 ألف جنيه إسترليني (320 ألف دولار) على مدى 25 عاماً، وهو الأجل العادي للقرض العقاري، سيتعين عليه أن يدفع نحو 1400 دولار إضافية سنوياً مقارنة بأسعار الفائدة التي كانت سائدة قبل الحرب.
ورغم تقرير" نيشان وايد"، وهي أكبر جمعية إقراض عقاري في بريطانيا، الذي كشف في الأسبوع الماضي عن ارتفاع أسعار المنازل على أساس سنوي بنسبة 0.
9% في مارس/ آذار الماضي، وهي النسبة الأعلى منذ عام 2024، إلا أن المراقبين يؤكدون أن هذه الزيادة تترافق مع توقف في حركة البيع، إذ بات الراغبون في الشراء يفضلون التريث والسعي إلى صفقات أقل سعراً بسبب المخاوف المتعلقة بالأمان الاقتصادي.
وحسب منصة" زووبلا" للعقارات، فقد تراجع عدد الطلبات الجديدة من المشترين بنسبة 13% على أساس سنوي، بينما تراجع عدد الصفقات بنسبة 2% فقط.
إحجام المشترين في بريطانياعلى مدى الأسابيع الماضية، أبدى البريطانيون إحجاماً عن الشراء ورغبة في الادخار، وهو ما يجد ترجمة له في سوق العقارات بارتفاع المعروض من المنازل وتراجع الطلب أو توقفه.
وأفادت منصة" بروبتكاست" المتخصصة في التسويق العقاري بأن مراكز المدن، خصوصاً في وسط لندن وليفربول وبرمنغهام، تسجل عروضاً للبيع تفوق عروض الشراء.
وبحسب منصة أخرى هي" رايت موف"، فقد بلغ عدد المنازل المعروضة للبيع أعلى مستوى له منذ 11 عاماً.
لا يختلف الأمر كثيراً في القطاع الاستهلاكي، فالبريطانيون يتوقعون على نطاق واسع أن موجة غلاء قادمة لا محالة بعد الارتفاع الكبير في أسعار الطاقة، والتي من المستبعد أن تسجل تراجعاً آنياً حتى لو توقفت الحرب قريباً.
وقد أظهر الاستطلاع الدوري الذي أجراء بنك إنكلترا في وقت سابق من مارس، وصدرت نتائجه الأسبوع الماضي، على 2000 من الرؤساء الماليين، أنهم يتوقعون الآن رفع أسعارهم بنسبة 3.
7% خلال العام المقبل.
وكانت هذه النسبة قد سجلت 3.
4% في فبراير الماضي، بينما ارتفعت توقعات المديرين التنفيذيين للتضخم في الاقتصاد ككل من 3% إلى 3.
5%.
ومع ذلك، حذّر محافظ بنك إنكلترا أندرو بيلي من أنّ الأسواق ربما" تسبق الأحداث"، مشيراً إلى أن ضعف الطلب الاستهلاكي قد يمنع الشركات من تمرير ارتفاع التكاليف إلى المستهلكين.
وقال لوكالة رويترز يوم الأربعاء الماضي: " تقول لي الشركات باستمرار إنها تعمل في سياق يفتقر إلى القدرة على التسعير".
ويتفق بعض المحللين على أن التباطؤ الاقتصادي يمثل خطراً أكبر من التضخم.
وتوقع أندرو غودوين، كبير اقتصاديي المملكة المتحدة في شركة" أوكسفورد إيكونوميكس"، أن تبقى أسعار الفائدة عند 3.
75% فترة" مطوّلة" مع تقليص المستهلكين إنفاقهم.
وأشار إلى الارتفاع السريع في أسعار البنزين والديزل قائلاً: " إذا استمرت أسعار الوقود في الارتفاع، فمن المرجح أن نشهد انكماشاً في الطلب على الوقود وضغطاً متزايداً على الإنفاق الترفيهي".
وكان معدل التضخم على مؤشر أسعار المستهلك، الذي يستهدفه بنك إنكلترا، مستقراً عند 3% في فبراير، لكنه من المتوقع الآن أن يرتفع.
وكان مسح أجرته شركة" جي إف كي" للبيانات، وهي إحدى الشركات الأكثر موثوقية، قد أظهر تراجع ثقة المستهلكين البريطانيين باقتصاد بلادهم، مع تزايد مؤشرات الخوف من الإنفاق والميل إلى الادخار تحسباً لتداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، والاعتداءات الإيرانية على دول الخليج.
وأشار المسح إلى تراجع الثقة باقتصاد بريطانيا خلال الاثني عشر شهراً المقبلة بمقدار ست نقاط مئوية، وسط تحذيرات من أن الحرب ستؤدي إلى زيادات في أسعار عدد متزايد من السلع والخدمات خلال الأشهر المقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك