الذكاء الاصطناعى يمكنه توجيه القرار وتحليله لكنه لا يملك حق اختيار الاتجاهالإحصاءات الرسمية هى الأساس الذى يبنى عليه كل قرار اقتصادى وسياسىالدول التى تمتلك بيانات دقيقة تتحرك أسرع وتقرر بشكل أكثر كفاءة وفاعليةاستخدام الذكاء الاصطناعى فى الحكومات يفتح آفاقا جديدة لمكافحة الفساد وتحسين الخدمات العامةالبيانات تمثل قوة إستراتيجية لا تقل تأثيرًا عن السلاح التقليدى فى حماية الأمن القومىفى عالم اليوم، حيث تتسارع الأحداث وتزداد تعقيدات الاقتصاد والسياسة، أصبحت البيانات والمعلومات الدقيقة حجر الزاوية فى صنع القرار الحكومى، لم تعد القرارات الكبرى تعتمد فقط على الخبرة الشخصية أو التقديرات السياسية، بل أصبحت مدعومة بتحليل معمق للبيانات، محاكاة النتائج المستقبلية، وتوقع المخاطر المحتملة، هذا التحول جعل من البيانات أداة إستراتيجية توازى فى أهميتها الموارد الطبيعية، بل أحيانًا القوة العسكرية، وهو ما دفع البعض إلى تسميتها بـ «نفط المستقبل».
ولفهم كيف تحولت البيانات إلى عنصر حاسم فى إدارة الدول، وما دور الذكاء الاصطناعى والإحصاءات الرسمية، فى تحسين السياسات الاقتصادية، مكافحة الفساد، وتعزيز الأمن القومى، أجرينا حوارا موسعًا مع د.
عصام أمين، عميد كلية الدراسات العليا للبحوث الإحصائية جامعة القاهرة، خلال هذا الحوار، قدم د.
أمين رؤيته حول الإمكانيات والتحديات المرتبطة بالاعتماد على البيانات والذكاء الاصطناعى، موضحا كيف يمكن لهذه الأدوات أن تحدث فرقًا حقيقيا فى دقة القرارات وكفاءتها، مع الحفاظ على دور الإنسان فى صياغة السياسات المصيرية.
كيف ترى أهمية البيانات والمعلومات اليوم فى إدارة الدول مقارنة بالماضي؟ وهل أصبحت البيانات مثل النفط الجديد فعلًا؟تلعب البيانات دورا محوريا فى إدارة الدول، مما كانت عليه فى الماضى، ليس فقط من حيث الكم، بل من حيث الدور السيادى والإستراتيجى الذى أصبحت تلعبه، حيث كانت البيانات فى الماضى شحيحة وبطيئة (تعدادات كل 10 سنوات، تقارير ورقية)، وصفية أكثر منها تحليلية (ماذا حدث؟ ) مركزية وبيروقراطية، تصل متأخرة لصانع القرار تستخدم استخدامات محدودة مثل إعداد الميزانية العامة، الضرائب، التخطيط السكانى طويل الأجل، وكان القرار يعتمد بدرجة كبيرة على الخبرة الشخصية، التقدير السياسى، والاعتبارات الأيديولوجية أكثر من الأدلة الكمية، أما اليوم أصبحت البيانات وفيرة، فورية، ومتعددة المصادر (بيانات آنية، صور أقمار صناعية، منصات رقمية)، تحليلية وتنبؤية (ماذا سيحدث؟ ماذا لو؟ )، لا مركزية ومتكاملة عبر الوزارات، حيث أصبح القرار قائمًا على النمذجة والمحاكاة، مدعومًا بالذكاء الاصطناعى والتحليلات المتقدمة، قابلًا للتقييم والمراجعة المستمرة.
تعود تسمية البيانات بالنفط الجديد إلى العالم البريطانى كلايف هامبى، وهو أول من استعمل عبارة «البيانات نفط المستقبل» عام 2006، وأكد فى تصريح له أن البيانات ستكون المورد الأساسى لدفع الاقتصاد إلى الأمام على مدى العقود المقبلة، لكنه أكد أن البيانات تحتاج إلى أكثر من جمعها، فلا بد من تفكيكها وتحليلها حتى تصبح ذات قيمة، وهذا ما يحدث الآن.
إلى أى مدى يمكن أن تعتمد الحكومات على الذكاء الاصطناعى فى اتخاذ القرار الاقتصادى والسياسي؟ وأين تقف حدود هذا الاعتماد؟يمكن للحكومات أن تعتمد على الذكاء الاصطناعى، فى المجال الاقتصادى، حيث يتم تحليل البيانات الاقتصادية الضخمة، تحسين السياسات المالية عبر المحاكاة، والتنبؤ بنتائج القرارات قبل تنفيذها، رصد حالات الفساد أو التلاعب فى العقود الحكومية من خلال أنظمة كشف الأنماط غير العادية، تحسين الإنفاق العام باقترح توزيع أكثر كفاءة للموارد.
فى المجال السياسى، يمكن أن يلعب الذكاء الاصطناعى أدوارا فى تحليل الرأى العام، ودعم صنع القرارات الدبلوماسية، التخطيط الأمنى والتنبؤ بالمخاطر الداخلية والعالمية، يمكن للحكومات أن تعتمد على الذكاء الاصطناعى إلى مدى واسع فى التحليل والتنبؤ والدعم الفنى للقرار، لكن يجب أن تبقى القرارات المصيرية بيد البشر، لأن السياسة بخلاف الاقتصاد الرقمى تتعلق بالقيم، والثقة، والمسئولية، بمعنى آخر: الذكاء الاصطناعى يمكن أن ينير طريق القرار، لكنه لا ينبغى أن يختار الاتجاه.
كيف تسهم الإحصاءات الرسمية فى توجيه الاقتصاد؟ مثل قرارات التضخم، الدعم، الضرائب، والإنفاق العام؟الإحصاءات الرسمية هى العمود الفقرى، لتوجيه الاقتصاد؛ فهى تحول الواقع الاقتصادى إلى مؤشرات قابلة للقياس تُبنى عليها قرارات السياسة العامة، بالنسبة للتضخم، تستخدم بيانات مثل مؤشر أسعار المستهلك وبيانات الأجور والبطالة، حيث إنه عند ارتفاع التضخم، يتجه البنك المركزى إلى تشديد السياسة النقدية (رفع الفائدة)، وعند تباطؤ الاقتصاد، قد تخفض الفائدة لتحفيز الاستثمار والطلب، بالنسبة للدعم تستخدم بيانات خرائط الفقر، دخل وإنفاق الأسر معدلات الاستهلاك، وعلى ذلك يتم توحيه الدعم ليصل لمستحقيه، وتحديد مناطق أو فئات أولوية بناءً على فجوات الدخل، مما يؤدى الى كفاءة أعلى للإنفاق الاجتماعى تقليل الهدر وتحسين العدالة، بيانات هيكل الدخول حجم الاقتصاد غير الرسمى أنماط الاستهلاك تساعد فى رسم السياسة الضريبية وتحديد القطاعات القابلة للتوسع الضريبى دون الإضرار بالنمو، وتقدير الحصيلة المتوقعة بدقة.
هل تعتقد أن الدول التى تمتلك بيانات أفضل تصبح أقوى سياسيا واقتصاديًا؟ وكيف يظهر ذلك فى الواقع؟الدول التى تمتلك بيانات أفضل تصبح غالبا أقوى سياسيا واقتصاديا، ليس بالضرورة لأنها تعرف كل شىء، بل لأنها تتخذ قرارات أدق وأسرع وأقل تكلفة، ويتجلى ذلك فى الواقع عبر عدة سياسات منها حيث إن ضبط السياسات المالية والنقدية بدقة (التضخم، الدعم، الضرائب) يؤدى إلى توجيه الاستثمار إلى القطاعات الأعلى عائدا وتقليل الهدر فى الإنفاق العام، حيث تعتمد مؤسسات مثل البنك الدولى، وصندوق النقد الدولى فى تقييم الاقتصادات الوطنية على جودة البيانات الإحصائية وشفافيتها، لا على الخطاب السياسى فقط، الدول التى تقدم بيانات موثوقة تحصل على تمويل أفضل وشروط أخف، ما يعزز قوتها الاقتصادية، أيضا امتلاك بيانات قوية يؤدى إلى قرارات سياسية مبنية على الأدلة، مما يزيد على إدارة الأزمات (صحية، أمنية، اقتصادية) ويعزز الشرعية السياسية عبر الشفافية والمساءلة.
كيف يمكن استخدام الذكاء الاصطناعى فى مكافحة الفساد وتحسين الخدمات الحكومية؟ وهل توجد تجارب ناجحة فى هذا المجال؟يعتمد ذلك على تصميمه، واستخدامه وفق إطار قانونى وأخلاقى واضح، الذكاء الاصطناعى يمكنه فحص كميات ضخمة من البيانات الحكومية (مثل المناقصات أو الصفقات أو الميزانيات)، بسرعة أكبر من البشر، وكشف أنماط غير طبيعية قد تشير إلى فساد أو تلاعب، هذا يساعد فى تحديد الصفقات المشبوهة أو النفقات غير المبررة بشكل أسرع وأكثر دقة، أيضا كلما قلت الحاجة إلى التدخل اليدوى فى إجراءات معينة (مثل الموافقات، أو إصدار التراخيص)، انخفض مجال التأثير الشخصى أو المصلحة غير المشروعة مما يقلل فرص الفساد، تُستخدم أدوات ذكاء اصطناعى لتحسين عمليات التدقيق الداخلى والخارجى.
مع التطور المتسارع للتطبيق العملى للذكاء الاصطناعى، بدأ ظهور فاعليته فى مجال مكافحة الفساد فى الصين أخيرا، حيث يعد نظام تشجيانغ الإقليمى للرقابة الذكية على المناقصات والمزايدات نموذجًا مبتكرا لتطبيق تقنيات البيانات الضخمة فى مراقبة عمل السلطة العامة فى قطاع المناقصات والمزايدات، وقد أشرفت كل من لجنة تشجيانغ الإقليمية للتفتيش والانضباط ولجنة التنمية والإصلاح الإقليمية على بناء هذا النظام بشكل مشترك، كما أسستا مختبرا متخصصا لدعم وتعزيز تطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعى ضمن المنظومة، وقد أسهمت الإنجازات الحالية لهذا النظام، إلى جانب إمكاناته المستقبلية الواعدة، فى تحفيز مسئولى التفتيش والانضباط بشكل ملموس، مما يعكس الدور الحيوى للتكنولوجيا فى تعزيز الشفافية والكفاءة فى القطاع العام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك