ما تعرضت له مصر من نكسة في مثل هذا اليوم قبل 59 عاما بالتمام والكمال لا يقل في خطورته عما تتعرض له في تلك المرحلة الراهنة على يد حكومة رفعت شعار “لله يا محسنين”، وإن اختلفت الظروف، فما تواجهه الدولة اليوم من نكبات يتعلق بتلك الظروف الاقتصادية بالغة الصعوبة التي يعيشها أبناء هذا الوطن.
نكسة الديون العامة على مصر فاقت كل الحدود، فطبقا لما أعلنه البنك المركزي المصري مؤخرا فقد بلغ حجم الدين الخارجي نحو 164 مليار دولار، ولم يتوقف حد المخاطر عند هذا الرقم المفزع، ولكن ما تعاني منه الحكومة هو كيفية تدبير مبالغ كبيرة مستحقة عليها هذه الأيام قبل نهاية شهر يونيو الجاري، والذي يشهد نهاية السنة المالية الحالية.
فمصر مطالبة بسداد استحقاقات للدين الخارجي تبلغ 12,7 مليار دولار، فضلا عن ضرورة سداد مبلغ 524,5 مليون دولار أخرى لصندوق النقد الدولي، وبذلك تكون الحكومة قد سددت مبلغ 1,6 مليار دولار للصندوق خلال النصف الأول من العام الحالي، وتشمل هذه المبالغ المسددة أقساطا من قروض سابقة حصلت عليها مصر بجانب رسوم وفوائد عليها.
المؤشرات تؤكد أن الاقتصاد الوطني يصعد إلى الهاوية ويسقط في بئر الدمار، ويتعرض لكارثة محققة فقد بلغ حجم الدين العام نحو 22 تريليون جنيه -" التريليون = ألف مليار" - بفوائد تقدر بنحو 5,2 تريليون جنيه، في الوقت الذي لا يتجاوز فيه الناتج المحلي الإجمالي نحو 7 تريليونات فقط.
وقد اضطر البنك المركزي خلال الشهور الخمسة الأولى من العام الحالي لاقتراض نحو 4 تريليونات و85 مليار جنيه فى صورة أذون خزانة لسد عجز الموازنة، وهذا المبلغ لا يمول استثمارات ولا مشروعات ولم يستخدم في إنشاء خطوط إنتاج جديدة للشركات العامة، بل تم استخدامه في سد فجوة الإيرادات المنهارة والمصروفات المتضخمة.
ومن غرائب نكسة الديون أن الحكومة حصلت على قرض قيمته 400 مليون دولار لسداد قرض قديم بقيمة 485 مليون دولار، أي أن الدولة تقترض دولارات جديدة لتسدد دولارات قديمة وتظل الفجوة قائمة وتتسع حيث يظل الدين الأصلي كما هو، بل ويتضاعف.
وتخشى الحكومة أن تتخلف عن سداد تلك الأقساط؛ تجنبا للسقوط في مستنقع الإفلاس الرسمي في حالة عدم الوفاء بالالتزامات الائتمانية في مواعيدها، فضلا عن خفض التصنيف الائتماني وخسارة الاحتياطيات الأجنبية بالبنك المركزي.
وبدلا من البحث عن حلول وطنية جادة للخروج من هذا النفق المظلم من خلال تبني عدد من المشروعات القومية الحقيقية والعمل على دعم الصناعة المحلية وتنمية قدرات الشركات العامة، ولكن للأسف نجد الحكومة تتجه إلى حلول كارثية تؤكد أن الحكومة تتجاهل كل هذه الأزمات الطاحنة وأن كل همها توفير احتياجات طبقة" النص في المائة"، وأصحاب رؤوس الأموال الأجانب.
فمؤخرا أعلن الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء أنه سيتم اعتبار مشروع مارينا اليخوت الذي تم افتتاحه مؤقتا في أغسطس 2019، والواقع بمنطقة الكيلو 92 بالساحل الشمالي الغربي مشروعا قوميا، علما بأن العائد من هذا المشروع على الاقتصاد الوطني محدود للغاية، خاصة وأن ملاكه معظمهم من الأجانب.
والأدهى أنه في إطار البحث عن موارد مالية بأسرع وقت ممكن لسداد المبالغ المستحقة على الحكومة، فقد خرج علينا الدكتور مدبولي بقرار يؤكد عدم حرص هذه الحكومة مطلقا على الحفاظ على المقدرات، حيث قرر إزالة كل القيود التي تقف عائقا أمام المستثمر الأجنبي فيما يتعلق بتملك أي عدد من الأراضي والعقارات المملوكة للدولة، محطما كل الضوابط التي وضعتها الحكومات السابقة التي تحول دون تملك الأجانب لعدد كبير من أصول الدولة.
فضلا عن نقل تبعية مستشفى معهد ناصر الذي تم تطويره مؤخرا، والذي يعد أحد الصروح الصحية التي تقدم خدماتها للمرضى الفقراء، للصندوق السيادي تمهيدا لبيعه أو تأجيره.
ونظرا لأنها حكومة جباية، فقد قررت مصلحة الضرائب مؤخرا زيادة متوسط قيمة المصنعية في المحاسبة الضريبية لمحلات الصاغة بنسبة 10 % اعتبارا من أول يوليو القادم، فضلا عن أن المواطن سوف يكون له نصيب من هذا التسول الحكومي، حيث سوف يتعرض لموجة جديدة من الغلاء في الأسعار، وبخاصة أسعار فواتير المرافق وخاصة الكهرباء والمياه والغاز الطبيعي بحجة قدوم موسم الصيف.
أيها السادة، النكسات ستتوالى طالما أن هناك حكومة لا تتجه للصناعة الوطنية، ولا تهتم سوى بالبيع والتفريط في مقومات وطنها وتمارس سياسة" لله يا محسنين" لسداد ما عليها من التزامات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك