أكد المهندس شريف محسن، خبير أسواق الطاقة، أن تداعيات حدة الحرب الدائرة لم تعد مقتصرة على أطراف النزاع، بل امتدت بسرعة إلى قلب منظومة الطاقة العالمية، لتعيد طرح تساؤلات جوهرية حول استقرار الإمدادات، وقدرة السوق على امتصاص الصدمات، وحدود تدخل الدول الكبرى فى إدارة الأزمة، فاليوم نشهد لحظة تقاطعت فيها الجغرافيا السياسية مع معادلات الاقتصاد العالمى.
وإلى نص الحوار:■ما تقييمك حول التأثير الفورى للحرب الدائرة حالياً على سوق النفط العالمى؟التأثير كان فورياً وعنيفاً، لأن السوق يعتمد أساساً على معادلة العرض والطلب، فالعالم يستهلك ما بين 103 إلى 105 ملايين برميل يومياً، بينما تمثل إمدادات دول الخليج الواقعة قبل مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل يومياً، أى ما يقارب 20% من الاستهلاك العالمى، لذلك أى اضطراب فى هذه النسبة يعنى صدمة كبيرة، وهو ما انعكس فى قفزة الأسعار من 70 إلى أكثر من 115 دولاراً للبرميل خلال فترة قصيرة.
اضطراب مضيق هرمز يضاعف المخاطر ويعيد تشكيل خريطة الطاقة العالمية■ وما أبرز التحولات التى شهدتها خريطة الإمدادات النفطية منذ اندلاع الأزمة؟- شهدت الخريطة تغيرات ملحوظة، أبرزها تخفيف القيود الأمريكية على شراء النفط الروسى والإيرانى لبعض الدول مثل الهند، كما أعادت دول خليجية توجيه صادراتها، حيث حولت السعودية نحو 5 ملايين برميل يومياً إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بينما نقلت الإمارات نحو 1.
5 مليون برميل يومياً إلى الفجيرة، فى المقابل، توقفت صادرات العراق والكويت والبحرين عبر الخليج العربى، ما يعكس إعادة توزيع جغرافى للإمدادات لتقليل المخاطر.
■ ما حجم التأثير المتوقع على إنتاج وتصدير النفط من مناطق النزاع؟- حجم التأثير المتوقع على إنتاج وتصدير النفط مزدوج وهو فنى واقتصادى، فمن الناحية الفنية، يؤدى فقدان الغاز المصاحب إلى تعطيل تشغيل محطات الكهرباء داخل الحقول والمصافى، مع تراكم النفط الأسود الذى يمثل نحو 50% من إنتاج المصافى، ما قد يؤدى إلى توقفها، أما من الناحية الاقتصادية، فيتسبب النزاع فى تعطيل الإنتاج والتصدير، وهو ما يدفع الأسعار للارتفاع ويشكل ضغطاً كبيراً على الدول المستوردة وموازناتها.
■ هل تواجه سلاسل الإمداد العالمية اختناقات حقيقية؟- نعم، هناك اختناقات واضحة، لكن السوق لا يزال يمتلك قدرة نسبية على امتصاص الصدمة عبر السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية، غير أن هذه المرونة مؤقتة، ولا يمكن الاعتماد عليها لفترات طويلة دون تعويض فعلى فى الإمدادات.
■ ما الدور الذى تلعبه الممرات البحرية الحيوية فى تعقيد الأزمة الحالية؟- تلعب الممرات البحرية، وعلى رأسها مضيق هرمز، دوراً محورياً فى تعقيد المشهد، باعتبارها شرايين رئيسية لنقل النفط.
أى تهديد أو إغلاق محتمل لها يرفع من مستوى المخاطر ويؤدى إلى تقلبات حادة فى السوق، كما انعكست التطورات الجيوسياسية على أسعار النفط مباشرة، حيث ارتفعت الأسعار إلى 115 دولاراً للبرميل، مدفوعة بمخاوف نقص الإمدادات وتزايد المخاطر المرتبطة بالنقل والإنتاج.
■ هل نحن أمام موجة ارتفاع مستدامة أم تقلبات مؤقتة؟- الارتفاع الحالى مرتبط بشكل أساسى بالحرب، فإذا توقفت العمليات العسكرية، من المرجح أن تعود الأسعار تدريجياً إلى مستويات ما قبل الأزمة، مع بقاء بعض التأثيرات نتيجة إعادة تشكيل السوق.
■ كيف تتعامل الدول الكبرى المستهلكة للنفط مع هذه الأزمة؟- تعتمد هذه الدول على مسارين رئيسيين: أولاً السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية لتخفيف الضغط الفورى، وثانياً زيادة الواردات من الأسواق المتاحة لتعويض النقص وضمان استقرار الإمدادات، أما عن موقف تحالفات المنتجين من زيادة أو خفض الإنتاج، فتميل هذه التحالفات إلى رفع الإنتاج إلى أقصى طاقة ممكنة، بهدف تلبية الطلب العالمى والاستفادة من ارتفاع الأسعار لتعظيم العوائد.
■ ما التداعيات المحتملة لارتفاع أسعار النفط على معدلات التضخم عالمياً؟ارتفاع الأسعار يغذى ظاهرة الركود التضخمى، حيث ترتفع تكلفة الطاقة ومن ثم أسعار السلع والخدمات، بالتوازى مع تباطؤ النمو الاقتصادى وارتفاع معدلات البطالة، وهو ما يمثل تحدياً كبيراً للاقتصادات العالمية.
إمدادات الخليج تمثل 20% من الاستهلاك العالمى للنفط■ ما أبرز الإجراءات التى تنصح بها الحكومات للتعامل مع تقلبات سوق النفط؟بالنسبة للدول المنتجة، من الضرورى العمل بأقصى طاقة إنتاجية فى حال استمرار الأزمة لتعويض النقص العالمى.
أما الدول المستهلكة، فعليها إدارة الطلب بكفاءة، وبناء مزيج متوازن بين الاستهلاك والاستيراد، مع تعزيز الاحتياطيات لتقليل أثر الصدمات المستقبلية.
المنطقة هى الأكثر حساسية بحكم موقعها الاستراتيجى، وقد تفقد ما بين 14% إلى 20% من حصتها فى سوق النفط إنتاجاً وتصديراً، ما يؤدى إلى تراجع العائدات المالية رغم ارتفاع الأسعار، والسيناريوهات المحتملة لأسعار النفط خلال الأشهر المقبلة تعتمد بشكل رئيسى على مسار الحرب؛ ففى حال استمرارها، ستواصل الأسعار الارتفاع مع تآكل الاحتياطيات العالمية والحاجة لإمدادات إضافية.
أما إذا توقفت، فمن المتوقع أن تعود الأسعار تدريجياً إلى مستويات أقرب لما كانت عليه، مع بقاء بعض التعديلات الهيكلية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك