«مشربية زهزهان» إطلالة على «مصر الخديوية - العرابية»شيماء غنيم، كاتبة مصرية شابة تُصدر روايتها الثالثة العام الماضي، لم أقرأ روايتها الأولى «أبواب النخبة» التي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة خيري شلبي عام 2022 ولا الرواية الثانية «رَبع الرز» عام 2024 وقد وصلت للقائمة الطويلة لجائزة زايد للكتاب في دورته التاسعة عشرة، ولكني حصلت على روايتها الأخيرة «مشربية زهزهان» الصادرة من دار العين للنشر، والمشربية تتناول الشارع المصري في عهد الخديوي اسماعيل، وابنه الخديوي توفيق الذي تولى عرش مصر والسودان عام 1879.
لا تدخل بنا كاتبة الرواية الى دار الحكم والعرش المصري كما تفعل الكثير من الكتابات هذه الأيام، ولكنها تتناول كما فعل قبلها المؤرخ ابن إياس بساطة المجتمع المصري بتنوعاته، واختلافاته وتباين المستوى الطبقي والاجتماعي، والمستويات التعليمية بين أفرادة، من النساء والرجال، ويبدو جلياً اهتمام الكاتبة بتلك الحقبة الزمنية المهمة من تاريخ مصر، والتي هيأت الأجواء للثورة العرابية، فلا يغيب أحمد عرابي عن أحداث الرواية، وان كان حضور عرابي نفسه بين الشخصيات الروائية هامشياً.
لقد كان «الحدث العرابي» بثورته على الخديوي، حدثا ذا طنين دخل كل الشوارع والبيوت المصرية ومنها المشربية التي تطل منه زهزهان على شارعها، الشارع النموذج الذي اختارته الكاتبة لتقديم شخصيات متشابهة، واخرى متباينة ومضادة في الفكر، وفي مستوى الجهل او المستوي التعليمي، الخادمة حليمة هي حلقة الوصل بين الآنسة زهزهان ابنة سليمان باشا، والمرأة الشركسية القروية خديجة هانم، وهكذا تجد زهزهان نفسها منقسمة بين السرايا التي تعيش فيها، وبين الشارع الذي يأتي لها بأصوات ام سمير وفضل واسع وشيخ الحارة ويوزباشي إسماعيل والوقاد وصاحبة حمام النساء وأيضا الشاب الخجول صابر، الفلاح المرتبط بالأرض مثل أجداده والذي يغضبة أن يأتي المغتصب الإنجليزي الى هذه الأرض الطيبة ليأمر وينهى، ويكون له الأمرالأول.
صابر الذي انضم الى المقاومة التي تشكلت في الثورة العرابية، صابر الذي تجرأ يوماً فرفع نظره الى مشربية زهزهان، ومع لقاء النظرات حدث الغضب الأسري الأهوج كما هو متوقع وانقطعت الصداقة بين صابر وامين أخي زهزهان، هذا الذي يُجبر أيضا للسفر والدراسة في اوروبا فيغيب سنوات، تتبدل فيها أحوال الشارع المصري الذي تطل منه المشربية، تفشل الثورة العرابية، وتخرج الخادمة حليمة من سرايا سليمان باشا وخديجة هانم، الخادمة وابنة الخادمة حليمة تخرج مطرودة من السرايا التي لا تعرف لنفسها مكانا آخر غيرها، فترفضها كل البيوت، وكل الأبواب تُغلق في وجهها، ويطاردها شبح اب مسجون، وام ماتت في صمت.
ومع هامشية شخصية حليمة، تحزن بعمق لما يحدث لها، ربما أكثر من زهزهان الراوية للحدث أحياناً، وأحياناً يروى عنها الحدث، اختارت شيماء غنيم اسلوباً سهلا للقارئ، اسلوبا يجعلك في داخل الشارع الذي ربما صادفناه في عدد من الأفلام والمسلسلات الدرامية المصرية، وكأننا نسمع صوت الحيزبونة صاحبة حمام النساء وكأننا نعرف وجه أم سمير بائعة الفطائر، السرد الشيق الذي اختارته الكاتبة جعل الأحداث تتكثف وتتكاثر بين الفصول القصيرة والكثيرة نسبياً، فلا تترك مجالاً للملل من القراءة ولا تترك مجالاً لترك الرواية، حتى بعد موت عدد كبير من الشخصيات، فتكبر شخصيات مثل زهزهان، وتختفي شخصيات اخرى مثل صابر، ويظل السرد محافظاً على مستواه المشوق في صفحته الأخيرة «ما دامت مشربية زهزهان مفتوحة، والمسرجة الفضية تضيء الدروب بنورها، ستظل الذاكرة حية، ولن يخفت صوت الحكايات».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك