انعكست تداعيات حرب المنطقة وارتفاع الأسعار على مظاهر الاحتفال بعيد الفصح في الأردن من خلال صلواتٍ ترجو السلام والعدالة وتؤكد أهمية التضامن الإنساني.
يحلّ عيد الفصح هذا العام على المسيحيين في الأردن محمّلاً بدلالات دينية وروحية عميقة، لكنه يأتي في لحظة إقليمية وسياسية شديدة القسوة، تُلقي بظلالها على تفاصيل الاحتفال ومعانيه.
ففي وقت يُحيي فيه المؤمنون ذكرى قيامة السيد المسيح بوصفها انتصاراً للحياة على الموت، يبدو العيد هذا العام أقرب إلى مساحة للتأمل والصلاة من أجل السلام، أكثر منه مناسبة للاحتفال الصاخب.
وتحتفل جميع الطوائف المسيحية في الأردن، الغربية والشرقية، بعيد الفصح معاً وفقاً للتقويم الشرقي (الأرثوذكسي) وهذا التوحيد قائم منذ أقرّه رؤساء الكنائس في عام 1975، وتعتمد البلاد تاريخاً رسمياً لتوحيد الاحتفالات.
ولا يُنظر إلى عيد الفصح باعتباره مناسبة دينية فحسب، بل بوصفه محطة تتداخل فيها الروحانيات مع العلاقات الاجتماعية والهموم الوطنية والإنسانية، إذ تلتقي الطقوس الكنسية مع مظاهر التضامن العائلي والتكافل الاجتماعي، في ظل شعور عام بأن المنطقة بأسرها تعيش زمناً مثقلاً بالحروب والقلق والضغوط الاقتصادية.
وتُقدَّر نسبة المسيحيين في الأردن بنحو 4% من إجمالي السكان، بعدما كانت تقارب 12% وفق إحصاء عام 1956، ويتوزع المسيحيون في عدد من المحافظات والمدن، أبرزها عمّان ومادبا والفحيص والسلط والكرك وعجلون وإربد والزرقاء، إذ تشهد الكنائس خلال هذه الفترة حضوراً لافتاً للصلوات الخاصة بأسبوع الآلام وعيد القيامة.
وقررت الحكومة الأردنية منح عطلة للمسيحيين في الوزارات والدوائر الرسمية والمؤسسات والهيئات العامة والجامعات والبلديات وغيرها بمناسبة أحد الشعانين، اليوم الأحد 5 إبريل/نيسان، ويومَي عيد الفصح المجيد الأحد والاثنين 12 و13 إبريل.
من مدينة الفحيص التي تُعدّ من أبرز الحواضر المسيحية في الأردن، يقول حازم العكروش، وهو رب أسرة، لـ" العربي الجديد"، إنّ العيد هذا العام يأتي في ظل مناخ إقليمي مثقل بالحروب والتوترات، الأمر الذي انعكس على المزاج العام، موضحاً أن مظاهر الاحتفال تراجعت إلى حدّ كبير، لتحل محلها أجواء أكثر هدوءاً، ويضيف: " لم تعد الشوارع تعجّ بالمواكب والاحتفالات، بل باتت الكفّة تميل نحو الاكتفاء بإحياء الشعائر الدينية داخل الكنائس وأماكن العبادة، في أجواء يغلب عليها الطابع الروحي الهادئ، وكأن الناس يعيدون تعريف العيد بعيداً من مظاهره الخارجية.
قررت الحكومة الأردنية منح عطلة للمسيحيين في الوزارات والدوائر الرسمية يوم أحد الشعانين 5 إبريل/نيسان، ويومَي عيد الفصح المجيد الأحد والاثنين 12 و13 إبريللكن هذا التحول، بحسب العكروش، لا يرتبط بالحالة السياسية العامة فحسب، بل يتصل بالضغوط الاقتصادية، فقد أثر ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية على إمكانية تأمين مستلزمات العيد من الشوكولاتة والهدايا والملابس، وهو ما دفع كثيرين إلى إعادة ترتيب أولوياتهم بما يتناسب مع واقعهم المعيشي.
ويقول العكروش إنّ العيد ما يزال يحتفظ بجوهره رغم تراجع مظاهر البهجة التقليدية، وربما يتيح هذا الظرف القاسي العودة إلى المعاني الأعمق للأعياد، حيث البساطة والتأمل والتضامن الإنساني، في وقت تبدو فيه المنطقة في أمسّ الحاجة إلى الاستقرار والأمل.
من جهتها، تقول الكاتبة رلى السماعين لـ" العربي الجديد" إنّ عيد القيامة يُعدّ أبرز وأقدس الأعياد في المسيحية، لأنه يُحيي ذكرى قيامة السيد المسيح من بين الأموات بعد ثلاثة أيام من صلبه، وهو الحدث الذي يشكّل الركيزة الأساسية للإيمان المسيحي.
وتوضح أن القيامة لا تُفهم بوصفها واقعة تاريخية فحسب، بل باعتبارها إعلاناً روحياً عميقاً لانتصار الحياة على الموت، والخلاص من الخطيئة، ووعد الحياة الأبدية، بما يمنح المؤمنين أفقاً متجدّداً من الرجاء، خصوصاً في الأوقات المأزومة، وتتابع: " مع اقتراب نهاية الصوم، يبرز أسبوع الآلام بوصفه أكثر الفترات قدسية في السنة الكنسية، إذ يبدأ بأحد الشعانين ويبلغ ذروته في أحد القيامة.
وخلال هذه الأيام، تحتضن الكنائس صلوات يومية وطقوساً خاصة تستعيد الأيام الأخيرة من حياة المسيح، بما في ذلك العشاء الأخير في خميس الأسرار، والصلب في الجمعة العظيمة، وسبت النور، وغالباً ما تترافق هذه الطقوس مع التراتيل والمواكب الدينية ولحظات الصمت والخشوع".
وتشير السماعين إلى أن هذه الممارسات لا تقتصر على البُعد الكنسي، بل تمتد إلى الحياة الاجتماعية، إذ تجتمع العائلات حول موائد تتناسب مع تقاليد الصوم، ويتهيّأ الجميع لكسر الصوم مع حلول العيد، كما تبرز أعمال الخير والضيافة بوصفها جزءاً أصيلاً من هذه المرحلة، بما يعكس روح المشاركة والتكافل داخل الأسرة والمجتمع.
ويقول الموظف المتقاعد عيسى سعادة من مرج الحمام في عمّان، إنّ المسيحيين في الأردن يحرصون على ممارسة طقوسهم الدينية والاجتماعية احتفاءً بهذه المناسبة، بدءاً من أحد الشعانين الذي يحمل مكانة خاصة، إذ تكتظ الكنائس بالمصلّين الذين يردّدون الترانيم الخاصة، وصولاً إلى سبت النور ثم أحد القيامة.
ويشرح لـ" العربي الجديد" أن الاحتفال يبدأ بالقداس الكنسي، ثم تبادل التهاني والتبريكات، لافتاً إلى أن تلوين البيض يُعتبر من أهم التقاليد المتوارثة، بوصفه رمزاً للحياة الجديدة، إلى جانب تبادل الزيارات بين الأقارب والأصدقاء، واستمرار المعايدات لثلاثة أيام.
ويشير سعادة إلى أن الملابس الجديدة، خصوصاً للأطفال، ما تزال تحتفظ بمكانتها في ذاكرة العيد، إلى جانب وجبة الفصح التي تخرج من إطار الصيام إلى أطباق تعتمد على اللحوم والأسماك، في إشارة إلى استعادة الفرح والوفرة بعد فترة طويلة من الانضباط الروحي والغذائي.
أما حاتم الأزرعي من مدينة الحصن شمالي الأردن، فيقول لـ" العربي الجديد" إنّ عيد الفصح، إلى جانب مكانته الدينية، يحمل رمزية اجتماعية وثقافية تعبّر عن انتصار الحياة المتجددة على الموت، وتمنح الإنسان أفقاً أخلاقياً لمواجهة الظلم والطغيان والخذلان، ويشير إلى أن مظاهر الاحتفال هذا العام محدودة، تقتصر على حضور القداديس والصلوات داخل الكنائس، تعبيراً عن التضامن مع الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية المحتلة، ومع المتضررين من الحرب الإقليمية في لبنان وعدد من الدول العربية، ويرى حاتم أن هذه المناسبة، رغم بُعدها الديني، تتجاوز حدود المجتمع المسيحي، إذ يستقبل المسيحيون إخوانهم المسلمين المهنئين بالعيد.
من مدينة مادبا، تقول الناشطة بسمة السلايطة إن مظاهر الاحتفال بعيد الفصح تبدأ بالمشاركة في القداس الإلهي، ثم تمتد إلى اللقاءات العائلية والزيارات الاجتماعية التي ترافقها حالة من الفرح الداخلي المرتبط بالسلام والإيمان، وتضيف أن من يعيش الفصح بعمق، يختبر معاني الغفران والمصالحة والمحبة غير المحدودة، وهي قيمٌ لا تبقى داخل الكنيسة فحسب، بل تنعكس في الحياة اليومية من خلال التسامح وإعادة الانطلاق من جديد واختيار النور في وجه الظلمة.
وترى السلايطة أن العادات المرتبطة بالفصح شهدت تغيّرات واضحة، فبعدما كانت الاستعدادات تدور حول الصوم والصلوات والقداديس، باتت الحياة اليوم أسرع وأكثر تأثراً بالتكنولوجيا وأنماط العيش الحديثة، ما أدى إلى تبدّل بعض الممارسات الاجتماعية، من دون أن يُفقد المناسبة جوهرها الروحي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك