نبوءات بلا أنياب- لماذا يرى الشيوعي السوداني كل شيء… ولا يغير شيئاً؟في المشهد السوداني الراهن، لا تشتعل المعارك بين البنادق فحسب، بل تمتد إلى “حرب الروايات”.
وبينما يقتسم الجنرالات السلطة كغنائم، وتغير الفصائل ولاءاتها أسرع من بياناتها، يقف الحزب الشيوعي السوداني في زاوية المشهد هادئاً، دقيقاً، ومثيراً للحيرةإنه الحزب الذي يرى ما لا يراه الآخرون، ويتنبأ بالكارثة قبل وقوعها، ثم يكتفي بالجلوس في الصفوف الخلفية ليقول جملته الشهيرة “ألم نقل لكم؟ ”يفرض السؤال نفسه اليوم بمرارة هل تحول الحزب الأكثر عراقة إلى “خبير تشريح” بارع في فحص الجثة، لكنه عاجز تماماً عن إنقاذ المريض؟رادارات دقيقة في زمن “العمى السياسي”لا يمكن إنكار أن الحزب يمتلك أدق “رادارات” التحليل السياسي في السودان ليس لذكاء خارق، بل لاعتماده منهجية صارمة في قراءة موازين القوى.
فبينما كان الآخرون يغرقون في أوهام “الشراكة”، كان الحزب يرى في انقلاب 2021 “بداية حرب مؤجلة”وقبل انفجار 15 أبريل، لم يقرأ الحزب “توتراً سياسياً”، بل “عداً تنازلياً لصدام مسلح”المشكلة تكمن هنا كل هذه القراءات كانت صحيحة بشكل “مُحرج” للجميع، لكن الحزب الذي يقرأ المستقبل بدقة، يبدو عاجزاً عن تغيير مساره ولو بدرجة واحدةالعقل النشط في الجسد المُخدريشبه الحزب الشيوعي اليوم عقلاً متقداً داخل جسد يعاني من شلل في الحركة.
فجوة هائلة تفصل بين “التحليل” و”الفعل”وغياب التأثير الميداني في حرب تُدار بمنطق السلاح والموارد، يُعامل من لا يملك أدوات ضغط على الأرض كـ “معلق جانبي” و اختار الحزب دور “الضمير”، بينما تُدار البلاد بمنطق “القوة”قطيعة مع “جيل النجاة” الشارع السوداني تغير؛ الجيل الجديد لا يبحث عن أيديولوجيا صلبة بقدر ما يبحث عن سبل للنجاة.
وهنا يبدو الحزب كمن يخاطب واقعاً كلاسيكياً لم يعد موجوداً إلا في أدبياته القديمةالنقاء الذي يورث العزلة يرفض الحزب التحالفات “غير النقية” مع القوى المدنية الأخرى، فيبقى نقياً.
لكنه يبقى وحيداً , وفي عالم السياسة، الوحدة ليست فضيلة، بل انتحار صامتعندما تتحول “الدقة” إلى عبءالمأساة الحقيقية ليست في أن الحزب “مخطئ”، بل في أنه غالباً على “حق” , و تحولت الماركسية لديه من أداة لفهم الواقع إلى إطار صلب يعجز عن ملامسته , و هو يشرح الصراع بلغة “الطبقات”، بينما الواقع الميداني يُدار بلغة “القبيلة، السلاح، والذهب”يريد الحزب “حلولاً نظيفة” في واقع “قذر” غارق في الدماء والمساومات , وبإدمانه على “الصواب الكامل”، يخسر حتى “ربع الممكن”، ليجد نفسه في النهاية خارج رقعة اللعب تماماًخبير الأرصاد في قلب الإعصاريمكننا القول بوضوح الحزب الشيوعي لم يفشل في “الفهم”، بل فشل في “التحويل”هو أشبه بخبير أرصاد يحدد بدقة مسار الإعصار وساعة وصوله، لكنه لا يملك سلطة إخلاء المدن، ولا حتى صافرة إنذار يسمعها الناسو كلما ازدادت الأزمة تعقيداً، ازدادت تحليلات الحزب دقة، وكلما ازدادت دقته، ازداد عجزه وضوحاً , و إن المأساة ليست في أن الحزب لا يعرف الطريق، بل في أنه يقف عند بدايته، يشرح للمارين إلى أين سيؤدي بهم، بينما يمضي الجميع في ذلك الطريق.
بدونهإنقاذ الحزب لروحه لا يكمن في التخلي عن فكره، بل في تحريره من “الجمود” , و السياسة ليست مجرد معرفة ما سيحدث، بل هي القدرة على التدخل في مسار الأحداث لتقليل الخسائرفهل ينزل الحزب من “برج التحليل” إلى “أرض الفعل” قبل أن تبتلع الحرب ما تبقى من خارطة السودان؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك