بدايةً فيلم «فاميلي بيزنس» محاولة جيدة من محمد سعد لتعديل مساره السينمائي، خاصة بعد النجاح الذي حققه فيلمه السابق «الدشاش»، وها هو يعود بشخصية «الهباش»، رجل العائلة الذي يسعى لتوفير حياة كريمة لأسرته الصغيرة المكونة من زوجته غادة عادل وابنه وابنته اللذين تجاوزا العشرين، ولم يستطيعا بعد العثور على مصدر رزق ثابت، ولذلك يقومون بالنصب والاحتيال، أو بالمعنى البلدي «البرطشة»، على عائلة شديدة الثراء، وما يترتب على ذلك من مخادعات وتعقيدات وتفاقم للمشاكل يكاد يؤدي إلى كارثة.
الفيلم مقتبس من الفيلم الكوري الشهير Parasite، أو «طفيلي» (وربما الأدق في المعنى «طفيليات»)، إخراج وتأليف بونج جوون هو، 2019، الذي حصل على «أوسكار أفضل فيلم» وعشرات الجوائز العالمية الكبرى، وشاهده الملايين في أنحاء العالم.
والاقتباس، كما نعلم، ليس جريمة في حد ذاته، ولكن الجريمة القانونية هي إنكاره للتهرب من الحقوق المادية والمعنوية لأصحاب الأصل، والجريمة الفنية هي محاولة طمس ملامحه بتعديلات عشوائية لا تستند إلى أسباب منطقية وتفتقر لفهم الأصل الدرامي وأصول الاقتباس.
وأذكر أن أحد كُتاب السيناريو المخضرمين أقام ورشة تابعة لوزارة الثقافة كان يُعلِّم فيها المتدربين كيفية الاقتباس دون أن يكتشفك أحد!ومرة ثانية الاقتباس ليس جريمة في حد ذاته، طالما أن الفاعل ينسب الحق لأصحابه ويعترف بدينه للأصل، وطالما يعرف لماذا وكيف يقتبس.
ولكن أول ما نلاحظه بشأن الاقتباس في «فاميلي بيزنس» أن الفيلم لا يشير كالعادة إلى الأصل الكوري، ولكن الجديد هو أنه لا يوجد عليه اسم مؤلف للسيناريو، في واقعة نادرة من نوعها، كما لو أن صُناع الفيلم أرادوا إخفاء بصمات الفاعل! أما تحت كلمة «تأليف» ضمن عناوين الفيلم فقد كُتب: «ورشة 3 Bros»، أي والله، هكذا، نصف عربي ونصف إنجليزي، أصول التمويه، وهؤلاء «الـ3Pros» أو الإخوة الثلاثة يبدو أنهم عائلة محترفة في الاقتباس المموه، مثل أبطال فيلم «فاميلي بيزنس»!وثاني ما نلاحظه هو أن التعديلات التي قام بها «الإخوة الثلاثة» بعضها جيد (إذ يضع الأحداث في بيئة محلية مناسبة) ومعظمها مصطنع، مثل خطة «نشل» مفتاح سيارة السيدة الثرية في المركز التجاري والذي يحتاج إلى عصابة محترفة، ويعتمد على الصدفة، في أن السيدة ستقبل بمساعدة «الهباش» لها، بدلاً من أن تتجاهله وتطلب سيارة أجرة، مثلاً.
أو في مطاردات ومعارك النهاية التي تنقل الفيلم في منطقة أكشن يتحول فيها الهباش إلى رامبو الذي يضحي بنفسه (يصاب بطلق ناري) من أجل إنقاذ طفل العائلة الثرية من الخطف.
يضع الفيلم عائلة الهباش في مساحة لا نعرف فيها هل هم محتالون طيبون (طفيليات يعني) أم أنهم نصابون يخشى منهم (مجرمون)، وهي مساحة مشروعة بالطبع، موجودة في أذهان معظم أبناء الطبقة الثرية والوسطى عن الفقراء، فهل هم طيبون يحتاجون إلى العطف، أم مجرمون يجب أن نخشى منهم.
«طفيليات» يدور عن الهوة الطبقية الهائلة التي اتسعت في المجتمع الكوري (كوريا الجنوبية طبعاً) مثلما اتسعت في العديد من مجتمعات الرأسمالية المتأخرة، المتوحشة، التي نشهدها حالياً.
وهو فيلم كوميدي ساخر، لكن بمرارة ونقد لاذع لهذا التفاوت الطبقي الذي يمكن أن يؤدي إلى انفجارات أو تشوهات قيمية وأخلاقية حادة.
وبما أننا نحب الكلام المباشر أكثر من التعبير بالشعر أو الصورة الفنية يحتوي «فاميلي بيزنس» على حوار مدرسي بين الهباش وكبير العائلة الثرية، الذي يتهمه بالحقد الطبقي وبأنه أب فاشل، ويرد الهباش بمونولوج طويل من مونولوجات أبطال المسرح والسينما المصريين يهدف إلى التأثير في مشاعر الجمهور والحصول على تصفيقه الحاد.
ولكن في النهاية، كما اعتدنا، تتصالح العائلتان ويعم الوفاق الوطني والطبقي بين جموع الشعب المصري الطيب.
وهكذا يتفرغ الأصل من مضمونه، ويتحول الاقتباس، مرة أخرى، إلى التباس!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك