بسم الله الرحمن الرحيم و أفضل الصلاة و أتم التسليم على سيدنا محمد.
يا مملوءةَ الساقينِ أطفالاً خلاسيين…و تلك أبيات مقتطفة من قصيدة رآئعة من نظمِ الشاعر الكبير محمد المكي إبراهيم، و الشاعرُ من رواد مدرسة الغابة و الصحرآء، و هم جماعةٌ أدبيةٌ ظهرت في بلاد السودان في ستينيات القرن العشرين، و الجماعة تؤمن بأن جذورَ بلادِ السودان و هويته هي خليطٌ من الأعراق الزنجية و العربية، فالغابةُ ترمزُ إلى القارة الإفريقية و العرق الزنجي بينما ترمزُ الصحرآءُ إلى شبه الجزيرة الأعرابية و العروبة…و ما (مملوءةُ الساقينِ) الموصوفةُ في القصيدةِ إلا بلاد السودان، و ما (الأطفال الخلاسيون) إلا الشعوب السودانية، و الشاهد هو أن البعض/الكثير من أفراد الشعوب السودانية يوافقون مدرسة الغابة و الصحرآء الرأي على أنهم خليطٌ خلاسيٌ (مُبَعَّضٌ) من أعراقٍ مختلفةٍ و ثقافاتٍ متنوعةٍ، و أن هذا الخليطَ الخلاسي الثلاثيَ الأبعاضِ/الأبعادِ قد نتجَ عن إمتزاج/تعايش بعضين (يا بعضُ زنجية… يا بعضُ عربية)، أما البعض/البعد الثالث فهو الإيمان بالله سبحانه الله و تعالى (و بعض أقوالي أمام الله)…و يعتقد البعض/الكثير من أفراد الشعوب السودانية أن هذا التبعيضَ الثلاثيَ هو الذي أكسب بلاد السودان: الهوية المختلطة (الخلاسية) و التنوع الثقافي المتعدد الأطياف، و كذلك ”القوة“ و الجمال و التميز، و أن إحترام الأبعاض الثلاثة و الإعتراف بحقيقة وجودها واجب، و هو الضمان الآني و المستقبلي لتماسك دولة بلاد السودان و بقآءها و نمآءها و إزدهارها…و لا يستقيمُ النظر إلى فتاة محمد المكي إبراهيم (المملوءة الساقين أطفالاً خلاسيين)، و لا تكتمل معرفة حسنها و سبر أغوار معانيها الجمالية و الإبداعية و قدراتها و ثرواتها إلا من خلال قواعد التعامل العادل، الراشد و الحكيم مع أبعاضها الثلاث مجتمعة، و عدم جواز التعامل معها على طريقة التجزئة أو التفرقة، و هذا يعني التوازن و العدل و تقبل الآخر المختلف و إعطآء كل بعضٍ من الأبعاضِ الثلاثة حقه كاملاً دون نقصانٍ أو تقليل شأن/منزلة أو قيمة، و من دون أن يهمن أو يطغى بعضٌ من الأبعاض على الأبعاض الأخرى…و قد أبانت التجارب السياسة المختلفة التي تعاقبت على حكم بلاد السودان أن الكبتَ و الظلمَ و الفسادَ و عدمَ الإلتزامِ/التقيدِ بقواعدَ التعاملِ مع (الأبعاض الثلاثية) لفتاة محمد المكي إبراهيم، ذات الساقين المملوءتين أطفالاً خلاسيين، يبرزُ عيوب ساقيها و كذلك عيوب أطفالها! !! ، و ينقصُ من حسنها و جمالها، و يهدرُ ثرواتها، و يُعَطِّلُ قدرات/مقدرات أطفالها الخلاسيين و عجلة النمآء، بل و يسفهها و يقللُ كثيراً من شأنها و قيمة أطفالها الخلاسيين بين الآخرين من: الجماعات و الأقوام و الشعوب و الأمم! !! …و قد قاد غياب الحكم العادل الراشد و الحكيم في بلاد السودان إلى الظلمِ و الفسادِ و إلى تفاقمِ الإحساس بالإقصآء و ”التهميش“ و هضم الحقوق بين (الأطفال الخلاسيين)، و أجج نيران التخاصم و الإختلاف بينهم حول: الهوية و نظام الحكم و المشاركة في السلطة و التوزيع العادل للموارد و التنمية، و زرعَ الشكوك و المخاوف و الفرقة، و أفرز التعقيدات و العداوات، و أدى في نهاية الأمر إلى الأزمات و الصراعات/الإحتكاكات العرقية و الجهوية و الدينية و الإقتتال و نشوب الحروب، فكان الحصاد: الشتات و الردى و الخراب و الدمار و التشظي و الفوضى و اللادولة…جرعة تفآؤل مستلهمة من القصيدة:و سوف يظلُ (الدنُ و الإبريقُ) ممتلئين، و سوف تظلُ (دواليك) (مملوءة الساقين) و (الأطفال الخلاسيين) في حالةِ حراكٍ دآئم تعطي العالمين دروساً في النضال و رفض: الطغيان و الظلم و الفساد، و ستظل (الكؤوس تدار)، و سوف يستمر العزم/الزخم الثوري، و سوف يُهزم الطغاة و القتلة و الظالمون:نجرى و يمشون للخلف حتى نكمل المشوار…و سوف تمتد ساحات النضال و تظل صاحيةً ما دامت تطوفُ بأعين (عاشقي مملوءةِ الساقين) أحلام، و سوف تظل (مملوءةُ الساقين) في حالة أمان و سلام ما دامت (رماحُ الحارسيها قيام)، و سوف يخيب أمل الطامعين في إختلاس و شرب (رحيق البرتقالة) و العازمين على إقامة (سوق الفواحش) على أراضي (مملوءة الساقين)، و سوف يرى الطغاة و القتلة و الظالمون من أطفالها الخلاسيين و عقبهم نطحاً مؤلماً، و سوف يشهدون (أياماً مهدية)! !! …و سوف يطلُ (الصباح)، و سوف تتغلبُ (مملوءةُ الساقين) على ألامِ المخاض، و سوف (تفيقُ) من غفوتها، و ترد النهر العظيم و (الينابيع) فتيةً تستقي من مياههما، تغتسلُ و تزيلُ عن جسدها و ثيابها أدران (الماضي الحزين) و عذابات السنين، و سوف تلدُ المزيدَ من (الأطفال الخلاسيين) الذين سوف يملئون الربوع و الدروب أمناً و سلاماً و عدلاً و نمآءً، ثم من بعد ذلك سوف (تَهُزُّ إليها أبراجَ القلاعِ) و جذوع النخل فتساقط عليها الرطب الجني، و سوف تهب رياح التغيير اللواقح، و سوف يأتي فصل الربيع و تتفتحُ الزهور و تأتي أسرابُ النحلِ تسلك السبل ذللاً، تطوف الحقول الممتلئة (قمحاً و وعداً و تمني) تُقَبِّلُ الزهور تُلَقِّحُها و تخرج من بطونها شراباً مختلف الألوان فيه شفآءٌ للناسِ خصوصاً الغلابة…و مع المدِّ الجديدِ سأتي…و الحمد لله رب العالمين و أفضل الصلاة و أتم التسليم على سيدنا محمد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك