تواصل إسرائيل تصعيدها في لبنان مدخلة إلى الميدان معادلات جديدة في مسار حربها، في ظلّ تكثيف استهدافاتها للمباني السكنية، من ضمنها في بيروت ومحيطها، وتوسعة غاراتها على الجسور، لتشمل، إلى جانب الجنوب، البقاع الغربي، وهي من الجسور الأساسية للتنقلات اليومية والأنشطة التجارية، إضافة إلى تهديدها بمهاجمة معبر المصنع الحدودي مع سورية، عدا استمرار توغلاتها البرية جنوباً، من دون أي تقارير رسمية لبنانية صدرت حتى الساعة تفيد بمدى عمق التوغلات.
ولا تزال آفاق الحلول السياسية مسدودة، وسط ترقّب لبناني لمسار المفاوضات على خطّ إيران - أميركا - إسرائيل، علّها تنعكس بوقف إطلاق النار لبنانياً في حال التوصّل إلى اتفاق، خاصة أن إسرائيل لم تتجاوب حتى الساعة مع المبادرة التي أطلقها الرئيس اللبناني جوزاف عون، ودعا خلالها إلى التفاوض المباشر، ولا حراك دبلوماسياً خارجياً جدّياً يُسجّل باتجاه بيروت لإطلاق وساطة قريبة قادرة على إحداث خرق في المشهد العسكري.
وتقول مصادر رسمية لبنانية لـ" العربي الجديد" إن" الاتصالات التي يجريها عون مستمرّة مع الدول الفاعلة والمؤثرة من أجل الضغط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها من جهة، وفتح ممرات إنسانية لإيصال المواد الغذائية والطبية إلى القرى التي تتعرّض للقصف في الجنوب، كما يؤكد لبنان إدانته المستمرة للاعتداءات الإسرائيلية التي تطاول المدنيين والمسعفين والإعلاميين والمؤسسات والمنشآت المدنية والبنى التحتية وتهديد المرافق العامة".
وتشير المصادر إلى أن" اتصالات عدة قام بها لبنان، وعلى أكثر من مستوى خارجي، من أجل التدخل لمنع إسرائيل من مهاجمة معبر المصنع، وحتى الساعة نجحت هذه الاتصالات، لكن مع الإسرائيلي لا ضمانات، وهو يمكن بأي لحظة أن ينفذ اعتداءات من دون أن يلجمه أحد"، لافتة إلى أن" الإجراءات الأمنية الاستثنائية لا تزال متخذة على صعيد المعبر، مع التشديد على أن كل مزاعم إسرائيل كاذبة، والمعبر رسمي، وهناك إجراءات أمنية مشددة متخذة من قبل الجانبين اللبناني والسوري، والتعاون دائماً قائم في إطار التنسيق الأمني لضبط الحدود".
وضمن المواقف الرسمية الصادرة اليوم الاثنين، قال رئيس الوزراء نواف سلام، خلال اتصال مع رئيس الحكومة الاسبانية بيدرو سانشيز، إن التوغل الإسرائيلي في لبنان تحت ذرائع إنشاء منطقة عازلة أو حزام أمني هو أمر مرفوض بالكامل، وإن على إسرائيل وقف عملياتها الحربية والانسحاب من كامل الأراضي اللبنانية.
وفي قراءة لهذه التطورات، يقول الباحث الأمني والعسكري العميد ناجي ملاعب، لـ" العربي الجديد"، إن" تهديد إسرائيل بمهاجمة معبر المصنع، كما استهداف الجسور، يندرج في إطار قطع الأوصال للتحكّم بالعودة، والضغط على حزب الله وإمداداته"، مستبعداً في المقابل سعي إسرائيل للتقدّم بقاعاً عبر جبل الشيخ داخل الأراضي السورية، ولو أن إشغال حزب الله بفتح جبهة ثانية يبقى وارداً عند الإسرائيلي.
ويشير ملاعب إلى أن" إسرائيل ربما تريد أن تفرض حصاراً برياً اقتصادياً ليس فقط على حزب الله، بل على لبنان ككل، خاصة أن معبر المصنع الحدودي هو من المعابر الأساسية على صعيد الانتقال البشري وكذلك النشاط التجاري والاقتصادي".
ويتوقف ملاعب عند سيناريو الحصار البري والاقتصادي، ربطاً أيضاً بقصف إسرائيل جسور نهر الليطاني، آخرها طاول جسري مشغرة وسحمر في البقاع الغربي، ما يمكن وضعه في إطار هدفين، الأول، فلترة عودة السكان، بمعنى التحكّم بمن يُسمح لهم بالعودة، وثانياً، الضغط على لبنان من خلال خلق أزمة تهجير كبيرة، لا سيما أن عدد النازحين تخطى اليوم المليون، وقارب نحو 20% من سكان لبنان.
ويلفت ملاعب إلى أن تهديد معبر المصنع قد يكون رسالة إلى الدولة اللبنانية، خاصة بعد الكلام الإسرائيلي حول عدم الثقة بالجيش اللبناني في ظلّ استمرار وجود السلاح في جنوب نهر الليطاني، بعدما كان الجيش قد أعلن القضاء على السلاح غير الشرعي في القطاع، مشيراً إلى أن المعابر كانت سابقاً في وضع فلتان، لكن أصبحت في الفترة الأخيرة مضبوطة، وتُتخذ فيها الإجراءات الرقابية، خاصة بعد تركيب آلات الكشف (سكانر).
ويعتبر ملاعب أن التصعيد الإسرائيلي يترافق مع المباحثات التي تحصل بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، فإسرائيل هي الوحيدة التي لا ترغب بوقف إطلاق النار، وتريد الاستفادة قدر الإمكان من تكثيف غاراتها بشكل كبير، خاصة أن هناك طرحاً إيرانياً أيضاً يجرى تناقله عبر أوساط حزب الله بأن أي وقف لإطلاق النار سيشمل جبهة لبنان، من هنا يمكن لإسرائيل أن تذهب أكثر باتجاه التصعيد.
وتستهدف إسرائيل بوتيرة مرتفعة الجسور والبنى التحتية اللبنانية، منذ 2 مارس/ آذار الماضي، في إطار عزل منطقة جنوب نهر الليطاني، ما من شأنه أن يعرقل حركة السكان، والنزوح، كما يعرقل سلاسل الإمداد، ويصعب الوصول إلى الخدمات الصحية والاستشفائية، وشملت الاستهدافات الإسرائيلية جسر الدلافة الذي يُعدّ شرياناً حيوياً في صلة الوصل بين مناطق حاصبيا والبقاع الغربي وجزين، وجسر القعقعية في قضاء النبطية، وجسر الخردلي الذي يربط بين النبطية ومرجعيون، وجسر طيرفلسيه، ويربط قضاءي صور والزهراني، بالإضافة إلى جسر القاسمية، وهو من الجسور الرئيسية ويربط المناطق الساحلية الجنوبية بمناطق مختلفة من لبنان، إلى جانب جسرين فوق نهر الليطاني يربطان بين بلدتي سحمر ومشغرة في البقاع الغربي، شرقي البلاد.
ميدانياً، شهد اليومان الماضيان تصعيداً إسرائيلياً كبيراً، سواء في الجنوب أو البقاع وكذلك في بيروت، حيث كانت الغارات على الضاحية الجنوبية لبيروت مكثفة جداً، ولم تفارق طائرات الاحتلال سماء العاصمة وغالبية المناطق اللبنانية، كما استهدفت غارة ليل أمس شقة سكنية في منطقة تلال عين سعادة، شرق بيروت، ما أسفر عن استشهاد ثلاثة مواطنين من بينهم سيدتان، وضمنهم مسؤول في حزب القوات اللبنانية المعارض لحزب الله، فيما لا تزال التحقيقات الأمنية جارية لمعرفة ما إذا كان الطابق المستهدف الذي كان فارغاً لحظة الاستهداف مؤجراً أم لا، وسط تضارب الروايات وشهادات الأهالي.
وقال جيش الاحتلال إنه هاجم أمس هدفاً في منطقة شرق بيروت (في إشارة إلى الاستهداف في تلال عين سعادة)، حيث يجرى فحص التقارير التي تفيد بوقوع إصابات في صفوف لبنانيين غير متورطين في القتال، مضيفاً: " تجرى مراجعة كافة تفاصيل الحادثة".
وزعم الجيش أن حزب الله يواصل التموضع داخل السكان المدنيين مستغلاً إياهم دروعاً بشرية في خرق فاضح للقانون الدولي.
ورفع استهداف تلال عين سعادة من حدّة الخطاب السياسي المعارض لحزب الله، كما الخطاب التقسيمي، الذي يعود إلى الواجهة مع حملات تُشنّ على النازحين عند كل هجوم يشمل مناطق غير محسوبة على الحزب، كما زاد من انتقاد الدولة اللبنانية وطريقة تعاطيها مع هذه المرحلة الدقيقة، وبملف النازحين بشكل أساسي، في ظلّ عدم اتخاذ إجراءات معززة للتدقيق في الهويات، والتأكد من عدم وجود عناصر في حزب الله أو الحرس الثوري الإيراني بين المدنيين، والذي من شأنه أن يشكل حالة قلق عند الأهالي وينعكس على كل النازحين.
وقال رئيس" القوات اللبنانية" سمير جعجع، اليوم، حول استهداف الشقة في تلال عين سعادة، إن" ما حصل يكمن في أن الإسرائيليين كانوا يستهدفون أحد عناصر فيلق القدس (الإيراني)، وقد وُجّهت ضربة إلى مبنى قديم، ما أدى إلى انهيار السقف على منزل رفيقنا بيار معوض، حيث كان موجوداً، فسقط وزوجته وسيدة كانت تزورهما، وأصيب عدد من الأشخاص الذين كانوا معهم أو في الشقة المجاورة".
وأشار جعجع إلى أن" ما يُعرف بالدولة العميقة في لبنان، من جيش لبناني وقوى أمن داخلي وقضاء، فضّلت أن تترك بعض اللبنانيين يذهبون نحو الانتحار والتهلكة بدل أن تواجههم"، معتبراً أنّ" تحمّل المسؤولية منذ البداية كان سيكون أفضل للجميع، حتى لمن كانوا يسلكون هذا المسار".
ولفت إلى أنّ" الأجواء التي سادت في الفترة الأخيرة تضمّنت تهويلاً كبيراً حول احتمال اندلاع حرب أهلية"، مؤكّداً أنّه" عندما تقرّر الدولة القيام بدورها، لن نشهد حرباً أهلية، بل قد تحصل بعض الإشكالات المحدودة، لأن الدولة هي منظومة مؤسسات وإدارات كبيرة".
وشدد جعجع على أن" على الأجهزة الأمنية الاستحصال على لوائح دقيقة بالأشخاص النازحين الموجودين في المناطق الآمنة لتقوم بدورها بعملية مسح دقيقة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك