لو كان لودفيج فان بيتهوفن مغربيا، لربما أعاد تأليف مقطوعته الشهيرة" فور إليز" بروح العيطة، ذلك اللون الموسيقي الذي يجمع بين الخشونة والعمق التعبيري، ليحكي الحزن والنضال بدل الرومانسية الكلاسيكية الناعمة.
ولو كان" وولفغانغ أماديوس موزارت" أو" أنطونيو فيفالدي" أو" فريدريك شوبان" من أبناء المغرب، لربما حملت أعمالهم أصداء كناوة والشعبي والركادة والدقة المراكشية وأحواش، في تزاوج فني يعكس غنى الهوية الموسيقية المغربية.
هذا التصور لم يعد مجرد خيال، بل تحول إلى تجربة فنية يعيشها عازف الكمان المغربي يونس الخزان، الذي يعيد عبر مقاطع ينشرها على إنستغرام قراءة روائع الموسيقى الكلاسيكية بنفس مغربي، من خلال توزيعها بأدوات موسيقية حية.
في مشروعه، يطرح فكرة أن الموسيقى لغة كونية يمكن ترجمتها إلى" لهجة" مغربية دون أن تفقد روحها.
يقول الخزان إنه أطلق هذه التجربة سنة 2018 بتردد، تحت اسم" موزارت المغربي"، قبل أن تتحول تدريجيا إلى مشروع فني متكامل يربط بين عوالم موسيقية مختلفة.
بالنسبة له، يقوم هذا العمل على قناعة راسخة مفادها أن الحضارة المغربية، بجذورها الإفريقية والأمازيغية والحسانية، قادرة على التفاعل مع مختلف الأنماط الموسيقية العالمية.
ورغم تلقيه تكوينا موسيقيا أكاديميا، فقد اعتمد بشكل كبير على التعلم الذاتي في تطوير أسلوبه، جامعا بين الانضباط والحدس.
واشتغل الخزان، بصفته عازف كمان ومدرسا سابقا للموسيقى، في عدة إنتاجات فنية بارزة، من بينها برامج ستوديو 2M و" ستارلايت" و" كوك ستوديو».
دمج الكلاسيكيات بالأنماط المغربيةفي أعماله، يشتغل الخزان على تقاطع دقيق بين الإحساس الموسيقي والبناء التقني.
ويوضح أنه عند اختيار قطعة كلاسيكية، يتخيل أولا روحها، ثم يبحث عن النمط المغربي الذي يمكن أن ينسجم معها.
بعد ذلك، يعيد كتابة العمل ليس بهدف تغييره، بل لإعادة تأطيره، محافظا على أصالته مع إضفاء ما يسميه" الروح المغربية".
ويحرص على أن يتم تنفيذ جميع المقاطع باستخدام آلات حقيقية يعزفها موسيقيون، رافضا اللجوء إلى البرمجة.
هذا الاختيار يمنح أعماله طابعا أوركستراليا غنيا، قد يتطلب إنجاز القطعة الواحدة ما يصل إلى عشرة أيام من العمل.
ولا يتم اختيار المزج بشكل عشوائي، ففي إعادة تقديم" فور إليز"، لجأ إلى العيطة لما تحمله من بعد سردي، معتبرا أن" العيطة تحكي قصة".
أما في أعمال موزارت، فقد اختار الركادة لما تتميز به من إيقاع نشيط واحتفالي، خاصة في مناطق شرق المغرب.
تحول في نظرة الجمهور للشعبييتجاوز مشروع الخزان الجانب التقني ليعكس تحولا أوسع في نظرة الجمهور إلى الموسيقى المغربية، خصوصا فن الشعبي الذي كان ينظر إليه سابقا بنوع من التهميش.
ويرى أن هذه الصورة بدأت تتغير تدريجيا.
ويؤكد أن تفاعل الجمهور، خاصة فئة الشباب، فاجأه بشكل كبير، إذ لم يكن يتوقع هذا الاهتمام بالموسيقى الكلاسيكية أو بالشعبي في آن واحد.
بالنسبة له، يعكس هذا التفاعل حقيقة أعمق، مفادها أن الموسيقى قادرة دائما على تجاوز الحدود بين الأجيال والأنماط.
في المقابل، يعبر الخزان عن موقف واضح من تصاعد حضور الذكاء الاصطناعي في المجال الموسيقي، معتبرا أنه يظل" مصطنعا" يقتصر على التقليد، في حين أن الإبداع الحقيقي ينبع من التجربة الإنسانية، وهو ما يمنح الموسيقى قدرتها على ملامسة الوجدان.
يتطلع الخزان إلى نقل مشروعه من الفضاء الرقمي إلى العروض الحية، من خلال تقديمه في شكل أوركسترا موسيقية كلاسيكية بروح مغربية.
غير أن تحقيق هذا الطموح يتطلب إمكانيات كبيرة، إذ يشير إلى الحاجة إلى أكثر من 30 موسيقيا، إضافة إلى دعم إنتاجي مناسب.
وفي انتظار ذلك، يواصل مساره الإبداعي، حيث يعمل حاليا على إعادة تقديم أعمال شوبان" بصيغة مغربية.
في نهاية المطاف، يظل جوهر هذا المشروع قائما على فكرة واحدة: أن الثراء الموسيقي المغربي ليس حبيس حدوده، بل قابل للانفتاح والتقاطع مع مختلف التعبيرات الفنية، في تجربة تثبت أن الموسيقى، مهما اختلفت لغاتها، قادرة دائما على إيجاد أرضية مشتركة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك