يشهد معبر جوسية الحدودي بين سورية ولبنان ازدحاماً غير مسبوق، وسط حركة مسافرين نشطة بعد إغلاق معبر جديدة يابوس على خلفية تهديدات إسرائيلية باستهداف الجانب اللبناني من هذا المعبر، أيّ نقطة المصنع.
وكان المتحدّث باسم جيش الاحتلال قد أصدر أمر إخلاء، أوّل من أمس السبت، وجّهه إلى" جميع الموجودين في منطقة معبر المصنع" عند الحدود اللبنانية السورية، وإلى" جميع المسافرين على طريق إم 30"، مضيفاً: " نعتزم شنّ غارات على المعبر في الوقت القريب".
وقد أتى ذلك في سياق أوامر الإخلاء التي يمضي جيش الاحتلال في إصدارها منذ الثاني من مارس/ آذار المنصرم، بالتزامن مع عدوانه الأخير على لبنان.
ودفع ذلك السلطات السورية إلى تحويل حركة العبور كلياً إلى معبر جوسية (الجانب اللبناني منه نقطة القاع)، فراحت تتزايد أعداد الوافدين والمغادرين بصورة ملحوظة، ما تسبّب في ضغط كبير على البنى التشغيلية والخدماتية، بالإضافة إلى زيادة واضحة في مدد الانتظار، إلى جانب تعقيد الإجراءات بالنسبة إلى المسافرين، خصوصاً في ظلّ تدفّق هؤلاء.
وعلى الرغم من أنّ السلطات في سورية أشارت إلى محاولات لاحتواء الضغط المستجدّ، من خلال تنفيذ إجراءات استثنائية من قبيل تعزيز الكوادر العاملة في معبر جوسية وتنظيم حركة العبور من خلاله وتكثيف الجهود الميدانية، فإنّ هذه التدابير ما زالت تتطلّب وقتاً والازدحام ما زال كبيراً.
في هذا الإطار، أكدت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية، عبر صفحتها الرسمية على موقع فيسبوك، رفع جهوزيتها التشغيلية في معبر جوسية إلى أعلى المستويات، في محاولة للتعامل مع الزيادة الكبيرة في أعداد المسافرين.
وأوضحت أنّها عزّزت الفرق العاملة في المعبر، من خلال رفده بطواقم من مختلف الاختصاصات، إلى جانب دعم فرق العمل الميدانية، الأمر الذي من شأنه أن يساهم في تسريع الإجراءات وتحقيق قدر أكبر من الانسيابية في حركة العبور.
وبيّنت الهيئة أنّ العمل في معبر جوسية متواصل على مدار الساعة، مشيرةً إلى تدابير تنظيمية ولوجستية، من بينها إعادة تنظيم حركة الدخول والخروج، وتوزيع المسارات بأسلوب أكثر كفاءة، وذلك من أجل التقليل من الازدحام، والحدّ من فترات الانتظار، وتقديم التسهيلات الممكنة للمسافرين، خصوصاً في ظلّ الظروف الاستثنائية الراهنة التي استدعت تحويل الحركة كلّها إلى هذا المعبر.
ويُعَدّ معبر جديدة بابوس/ المصنع بين سورية ولبنان أبرز المنافذ الحدودية بين البلدَين، لكنّ التهديدات الإسرائيلية الأخيرة التي وُجّهت إليه في سياق العدوان على لبنان دفعت السلطات المعنية، السورية كما اللبنانية، إلى تعليق حركة العبور من خلال هذا المنفذ، وذلك حتى إشعار آخر.
وتهدف الإجراءات الاحترازية المتّخذة من قبل الجانبَين إلى حماية المدنيين وضمان سلامتهم.
يُذكر أنّ مدير العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية مازن علوش أفاد، في تصريحات صحافية بُعَيد إصدار المتحدّث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي تهديداته، بأنّ معبر جديدة يابوس مخصّص حصراً لعبور المدنيين، ولا يُستخدَم لأيّ أغراض عسكرية أو غير قانونية.
فجيش الاحتلال الإسرائيلي يزعم أنّ" حزب الله (اللبناني) يستخدم معبر المصنع لأغراض عسكرية ولتهريب وسائل قتالية".
لكنّ علوش شدّد على عدم وجود أيّ مجموعات مسلحة في منطقة المعبر، لافتاً إلى أنّ كلّ الأنشطة فيه تندرج من ضمن الأطر المدنية والقانونية فقط.
وأوضح علوش، في التصريحات نفسها التي نقلتها الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا)، أنّ قرار وقف حركة العبور عبر معبر جديدة يابوس جاء" في ضوء التنبيه (الإسرائيلي) المتداول، وحرصاً على سلامة المسافرين"، مشيراً إلى أنّ ذلك إجراء" مؤقت إلى حين زوال أي مخاطر محتملة".
وتابع أنّ العمل في المعبر سوف يُستأنَف" فور التأكد من استقرار الوضع".
بدوره، نفى وزير الأشغال العامة والنقل اللبناني فايز رسامني مزاعم جيش الاحتلال باستخدام معبر المصنع (جديدة يابوس من الجانب السوري) لتهريب أسلحة.
وشدّد، في تصريحات إعلامية، على أنّ كلّ ادّعاءات التهريب، لا سيّما تهريب أسلحة، عبر المعبر، إنّما هي" غير صحيحة ولا تستند إلى أيّ معطيات واقعية".
وشدّد على أنّ" الإجراءات الأمنية مشدّدة" وأنّ" ثمّة تنسيقاً قائماً بين الجانبَين اللبناني والسوري".
وتابع رسامني أنّ معبر المصنع" يخضع لرقابة وإشراف كاملَين من قبل الأجهزة الأمنية اللبنانية، التي تقوم بمهامها بكلّ صرامة، وتُخضع كلّ الشاحنات العابرة للتفتيش والتدقيق".
في سياق متصل، يشكو مسافرون من الظروف الصعبة التي يواجهونها عند معبر جوسية في أثناء عبورهم، بسبب الازدحام الحاصل وطول فترات الانتظار وغياب خدمات أساسية، فالضغط اليوم يفوق قدرة هذا المعبر الاستيعابية بعد توقّف العمل في معبر جديدة يابوس.
المواطن السوري مهاب عبد الصمد، من سكان ريف حمص، واحد من هؤلاء الذين يعانون عند معبر جوسية.
ويخبر" العربي الجديد"، خلال توجّهه إلى لبنان حيث يعمل في أحد الأفران، أنّه وصل إلى المعبر قبل" ساعات طويلة"، وهو ينتظر منذ ذلك الحين" من دون أن أتمكّن من العبور".
ويشير إلى أنّ" الأعداد كبيرة جداً، والتنظيم ما زال غير كافٍ لاستيعاب هذا الضغط، رغم الجهود المبذولة".
يضيف عبد الصمد: " كنّا نعتمد معبر جديدة يابوس خلال تنقّلاتنا، لأنّه الأقرب والأسهل لجهة الإجراءات.
لكن بعد إغلاقه، اضطررنا جميعاً إلى التوجّه إلى معبر جوسية، وهذا ما تسبّب في هذه الحالة من الازدحام غير المسبوق".
ويتابع أنّ" تداعيات الإغلاق لا تقتصر على الازدحام فحسب، بل تطاول مختلف الجوانب"، مبيّناً أنّ" رحلة السفر صارت مرهقة ومكلفة أكثر، فبدلاً من العبور السريع صرنا نقضي ساعات طويلة في الانتظار، من دون توفّر أماكن كافية للجلوس أو خدمات مناسبة".
ويؤكد عبد الصمد أنّ" هذا يضاعف معاناة المسافرين"، آملاً أنّ" يُصار إلى إيجاد حلّ سريع، سواء بإعادة فتح معبر جديدة يابوس أو باتخاذ إجراءات إضافية لتخفيف الضغط عن معبر جوسية".
بالنسبة إليه، فإنّ" من غير الممكن أن يستمرّ الوضع على ما هو عليه".
بدورها، تشكو المواطنة السورية سميرة كرزون من الازدحام الكبير عند معبر جوسية.
هي من سكان ريف حلب، وقد التقاها" العربي الجديد" في طريق عودتها من لبنان، برفقة أطفالها، بعد تدهور الأوضاع هناك من جرّاء الحرب الإسرائيلية الأخيرة.
وتحكي كرزون عن" المعاناة الإنسانية التي ترافق الانتظار الطويل عند معبر جوسية"، خصوصاً بالنسبة إلى العائلات.
تضيف: " نحن نسافر مع أطفال بعد رحلة نزوح صعبة، والانتظار ساعات طويلة في ظروف غير مريحة أمر مرهق جداً"، لافتةً إلى أنّ" الأطفال منهكون أصلاً بسبب ما مررنا به في لبنان، والانتظار هنا يزيد من تعبهم.
كذلك لا تتوفّر خدمات كافية تلبّي احتياجات العائلات، سواء لجهة أماكن الاستراحة أو حتى توفّر المياه".
وتؤكد كرزون أنّ إغلاق معبر جديدة يابوس فاقم معاناة العائدين إلى سورية من لبنان، قائلةً: " كنّا نأمل أن تكون رحلة العودة أسهل.
فالعائلات العائدة من الحرب في حاجة إلى ظروف أفضل، لا إلى مزيد من المعاناة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك