في مشهد سياسي لاتيني معقّد، يبرز الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي بوصفه رمزاً لتناقض واضح؛ إذ يتبنى خطاباً سياسياً متشدداً يقترب من نماذج مثل دونالد ترامب وفيكتور أوربان، بينما ينتهج اقتصادياً سياسات مستوحاة من مارغريت تاتشر، قائمة على التقشف المالي، وضبط العملة، وإصلاحات هيكلية عميقة.
منذ توليه السلطة أواخر عام 2023، اتخذ ميلي إجراءات حاسمة لضبط المالية العامة، بعد سنوات من تراكم الديون والتضخم.
وبلغ الدين العام نحو 157% من الناتج المحلي الإجمالي، مع تضخم سنوي تجاوز 300%، نتيجة التوسع في طباعة النقد والدعم الحكومي.
واعتمدت الحكومة سياسات تقشفية وإصلاحات هيكلية، شملت خفض الإنفاق العام من 43% إلى 31% من الناتج المحلي، وتقليص الدعم على الطاقة والنقل، وتجميد زيادات المعاشات دون مستوى التضخم، إلى جانب خفض الاستثمار العام بهدف مكافحة الفساد وتصحيح العقود، وفق ما أوردته" إل باييس" في أواخر فبراير/شباط الماضي.
كما أطلقت إصلاحات في سوق العمل لدمج نحو 43% من العاملين في الاقتصاد غير الرسمي ضمن الاقتصاد المنظم، ما ساهم في زيادة الإيرادات دون رفع الضرائب، في مقاربة مشابهة لتجربة اليونان.
ووفق صحيفة" ريو تايمز" في 2 إبريل/نيسان الجاري، أسهمت هذه السياسات في خفض التضخم السنوي من نحو 300% إلى 30%، مع استقرار نسبي في سعر البيزو، رغم ارتفاع البطالة في المدن الكبرى، مقابل تحسن في المناطق الريفية مدفوعاً بنمو الصادرات الزراعية والنفطية.
يعكس أداء الأرجنتين تبايناً واضحاً مع اقتصادات أميركا اللاتينية الكبرى.
فالبرازيل، أكبر اقتصاد في المنطقة، يبلغ ناتجها نحو 2.
29 تريليون دولار، بنمو سنوي يقارب 1.
8%، فيما تسجل المكسيك أداءً مماثلاً بناتج 2.
03 تريليون دولار ونمو 1.
8%، وسط تباطؤ الطلب العالمي.
أما تشيلي، ورغم صغر حجم اقتصادها (363 مليار دولار)، فتحقق نمواً يتراوح بين 2% و2.
5%، مدعوماً بقطاع التعدين واستراتيجيات جذب الاستثمار.
في حين يبلغ ناتج البيرو نحو 326 مليار دولار، مع نمو 2.
5%، ودين عام منخفض نسبياً عند 30%.
وتسجل جمهورية الدومينيكان نمواً سنوياً يصل إلى 4%، مع ناتج يبلغ 115 مليار دولار، وإنفاق حكومي عند 13.
2%، ودين 65%، ما يعكس توازناً نسبياً في إدارة الموارد.
في المقابل، يُتوقع أن تحقق الأرجنتين، التي يبلغ ناتجها 668 مليار دولار، نمواً يصل إلى 5.
5% في عام 2025، مدفوعاً بسياسات التقشف وضبط العجز والانفتاح التجاري.
ويظهر الفارق الجوهري في مستويات الإنفاق والدين؛ إذ تنفق البرازيل نحو 19% من الناتج مع دين يتجاوز 76%، بينما خفّضت الأرجنتين إنفاقها إلى 16.
4%، وسعت إلى تقليص الدين.
أما المكسيك فتسجل إنفاقاً عند 14.
2% وديناً يقارب 60%، في حين تحافظ تشيلي على إنفاق 15.
3% ودين منخفض عند 33%.
وبحسب موقع" فوكس إيكونومي"، فإنّ نموذج ميلي يقوم على" المزج بين الانفتاح التجاري والسياسات التقشفية"، عبر فتح الأسواق أمام التجارة الحرة وجذب الاستثمارات مع ضبط الإنفاق، وهو نموذج غير شائع في المنطقة.
الطاقة ومضيق هرمز: ضغوط ممتدةتشكل أزمات الطاقة العالمية، وخصوصاً اضطرابات الإمدادات وارتفاع أسعار النفط، عامل ضغط مباشراً على اقتصادات أميركا اللاتينية.
ويؤثر أي اضطراب في مضيق هرمز، بوصفه ممراً رئيسياً لنقل النفط والغاز، على الأسعار عالمياً، ما ينعكس على الدول المستوردة للطاقة.
والدول مثل الأرجنتين وتشيلي والمكسيك تواجه ارتفاع تكاليف الإنتاج وزيادة التضخم، ما يضغط على القدرة الشرائية ويثقل كاهل الموازنات العامة، خاصة في ظل سياسات تقشفية.
وفي هذا السياق، أشار تقرير صادر عن الأونكتاد إلى أن" الارتفاع المفاجئ في أسعار الطاقة يعقّد الاستقرار الاقتصادي ويزيد الضغوط التضخمية على الدول المستوردة".
في المقابل، تستفيد الدول المصدرة للطاقة، مثل البرازيل وفنزويلا، مؤقتاً من ارتفاع الأسعار، إلّا أن اعتمادها على الأسواق العالمية يجعلها عرضة للتقلبات، كما قد تستفيد بنما نسبياً من موقعها الاستراتيجي عبر قناة بنما، من خلال زيادة حركة الشحن وارتفاع الإيرادات، مقارنة بدول أقل جاهزية.
أما على مستوى القطاع الخاص، فتواجه الشركات في الدول المستوردة للطاقة ارتفاعاً في تكاليف الإنتاج وتراجع القدرة التنافسية، مع ضغوط إضافية على الشركات الصغيرة والمتوسطة.
تعكس تجربة ميلي نموذجاً اقتصادياً فريداً في أميركا اللاتينية، يجمع بين التقشف المالي والانفتاح التجاري، غير أنّ نجاح هذا النموذج يبقى مرهوناً بقدرة الدولة على الصمود أمام الضغوط الخارجية، خصوصاً تقلبات أسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية، واستمرار تدفق الاستثمارات.
وفي المقابل، فإنّ أي تعثر في هذه السياسات قد يؤدي إلى ارتفاع البطالة وتراجع الثقة الاقتصادية وتصاعد الضغوط الاجتماعية، ما يجعل التجربة الأرجنتينية اختباراً حقيقياً لحدود الإصلاحات الصارمة في بيئة دولية مضطربة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك