مخيم برج الشمالي – «القدس العربي»: في ظل الحرب المستعرة والظروف الأمنية القاسية التي تعصف بلبنان، يجد مخيم «برج الشمالي» نفسه وحيدًا في عين العاصفة، ليس فقط تحت وطأة التهديد العسكري المباشر وقصف المناطق المجاورة، بل في مواجهة وجودية مع خطر الجوع وانهيار الخدمات الأساسية.
ومع تصاعد وتيرة النزوح وتفاقم الاحتياجات المعيشية، تبرز علامات استفهام كبرى حول أداء «وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين» «الأونروا»، التي بات سكان المخيم يصفونها أنها «غائبة أو مغيّبة» في أكثر اللحظات حرجًا في تاريخ اللجوء الفلسطيني في لبنان.
منذ اندلاع الأزمة، ساد ترقب شعبي لتفعيل خطط طوارئ أممية تتناسب مع حجم الكارثة الإنسانية، إلا أن الواقع في مخيم «برج الشمالي» ومخيمات منطقة صور يعكس رواية مغايرة تمامًا.
فالمراكز الصحية تعمل في الحدود الدنيا، والطرود الإغاثية غائبة تمامًا عن عائلات فقدت أمنها ومصادر رزقها.
يقول الحاج محمود الجمعة، أحد سكان المخيم: «لقد فقدت أغلب العائلات هنا دخلها بالكامل نتيجة الحرب، واللاجئ يشعر اليوم أنه تُرك لمصيره يصارع غلاء المعيشة وفقدان الأمان دون سند مؤسساتي»، مطالبًا الوكالة بتبني خطة إنقاذ شاملة تضمن توزيع مساعدات نقدية وعينية عاجلة بدلًا من الاكتفاء بموقف المتفرج.
ما يزيد من مأساوية المشهد هو الطبيعة الاقتصادية لسكان المخيم، إذ يقطنه نحو 22 ألف نسمة، يعتمد معظمهم على العمل بالمياومة في الحقول الزراعية المحيطة بمدينة صور أو في قطاع البناء.
ومع تحول هذه المناطق إلى ساحات حرب، توقفت دورة العمل تمامًا، ما جعل الأمن الغذائي داخل المخيم في خطر حقيقي.
وإن غياب «الأونروا» عن تقديم بدائل أو رواتب طوارئ لهؤلاء العمال يضع آلاف الأطفال والنساء أمام شبح المجاعة الحقيقية، في ظل ارتفاع جنوني في أسعار المواد الغذائية الأساسية.
أزمة الإيواء والسياسة التقشفيةيعاني المخيم اكتظاظًا سكانيًا خانقًا يزيد من أخطار الاستهداف والضغط على البنى التحتية المتهالكة، ومع ذلك، تبدي «الأونروا» ترددًا واضحًا في تجهيز مراكز إيواء آمنة ومزودة بسبل الحياة الكريمة.
وفي هذا السياق، يؤكد أحمد الصغير، أحد سكان المخيم، أن أماكن النزوح الحالية «غير مجهزة بشكل محترم ولا تليق بالحد الأدنى من كرامة الإنسان»، مشيرًا إلى أن خطة الطوارئ التي تعلن عنها الوكالة «بقيت حبرًا على ورق وغير مفعلة على أرض الواقع».
وتتوالى الصرخات اليوم بسبب النقص الحاد في أدوية الأمراض المزمنة مثل «الضغط» و»السكري»، وتراجع خدمات الرعاية الأولية بشكل كبير، ما ينذر بكارثة صحية وشيكة قد تنفجر في أي لحظة.
فسياسة «التقشف» التي تنتهجها الوكالة في زمن الحرب لا يمكن فهمها إلا بوصفها تقاعسًا عن المسؤولية الأخلاقية والقانونية تجاه مجتمع لا يملك أي بدائل إغاثية أخرى.
تحذر «اللجنة الشعبية» في «برج الشمالي» من أن استمرار هذا التهميش يدفع بالمخيم نحو «انفجار اجتماعي وإنساني» لا يمكن السيطرة عليه.
وأكد لـ«القدس العربي»، مسؤول «اللجنة الشعبية» في المخيم، محمد رشيد (أبو رشيد)، أن الوكالة تعيش حالة غياب تام، مشيرًا إلى أن فتح العيادة يومًا واحدًا فقط في الأسبوع يعد استهتارًا بحياة المرضى وكبار السن الذين يحتاجون إلى متابعة دائمة ودواء لا ينقطع.
وأضاف أن حصر المساعدات في نطاقات ضيقة يتجاهل نداءات الاستغاثة اليومية، وهو ما يكرس حالة من انعدام الثقة المطلق بين اللاجئ والمنظمة الدولية التي أُسست أساسًا لحمايته وإغاثته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك