للكاتب الكيني نغوجي واثيونغو أثر كبير في التنظير لخطاب ما بعد الكولونيالي، ولاسيما كتابه «تصفية استعمار العقل»، بيد أن أعماله الروائية تُعد من أهم الأعمال التي تتخذ من ثيمة الاستعمار مسرحاً لأحداثها، خاصة روايته «تويجات الدم» التي ترجمها الشاعر العراقي سعدي يوسف، وصدرت عن دار التكوين في دمشق.
تعالج الرواية التي صدرت سنة 1977 باللغة الإنكليزية واقع ما بعد الاستقلال، ضمن مقولات الاستعمار الجديد، والتبعية الرأسمالية، بالتوازي مع تفكيك خطاب التحديث الكولونيالي، والأهم تحالف النخب المحلية مع رأس المال العالمي.
تنفتح الرواية على شخصية منيرا بوصفه رجل دين ومعلماً يرتحل إلى بلدة اسمها الموروغ، ليعمل فيها مدرساً، وهناك يعاني من رفض سكان القرية، لكنه سرعان ما ينخرط في صياغة وقائع النموذج الذي نرى فيه قرية (الموروغ) استعارة لكينيا، كما سائر الدول المستعمَرة، وهناك تتشكل ملامح علاقة رباعية تجمع منيرا مع وانجا، وعبد الله، وكاريجا الذين تجمعهم أسئلة الماضي، وحلم المستقبل.
اعتمدت الرواية بصورة واضحة على ذلك التخييل القائم على كسر الخطية الزمنية، بالتضافر مع توظيف تعدد وجهات النظر، والاسترجاع، والتناص الأدبي، بالتوازي مع توظيف البنية البوليسية كما في حادثة حرق المبغى، ومن هنا جاء التكوين الحكائي من أجل تتبّع مآلات الشخصيات المركزية بهدف الكشف عما يكمن في داخلها من تهاون وضعف وتردد وانبعاث يتصل بالهواجس الذاتية والجمعية.
تعمد الرواية في بعض جوانبها إلى تصوير كينيا قبل الاستعمار، وما يكمن فيها من نماذج ثقافية أسطورية لم تتعرض للانتهاك، أو للتشويه قبل الاستعمار، الذي سرعان ما غير نظام الأشياء كما جاء في الرواية، إذ تبقى أحلام الشخصيات المتطلعة إلى مستقبل ما بعد الاستعمار، كما كاريغا، وإيمانه بالنضال والحرية، ولكن من خلال الوعي الطبقي الماركسي لا القومي، في حين أن عبد الله (الهندي) الذي فقد ساقه في نضال حقيقي، يبدو تمثيلاً لشريحة أخرى من المناضلين الذين انتهى بهم المقام مهمّشين، ومعه جوزيف الطفل الذي التقطه عبد الله من صندوق القمامة يبحث عن طعام، بوصفه تمثيلاً لأجيال انتهكتها التجربة الاستعمارية.
تعمد الرواية في بعض جوانبها إلى معالجة الواقع الثقافي من خلال الهيمنة التعليمية، والاغتراب الثقافي عبر شخصية «جوي» الذي كان طالباً افريقياً حظي برعاية المدير البريطاني، الذي أراد أن يعمق ارتباط الطلاب الافارقة القوي بالله وبالإمبراطورية ضمن تكوين مخاتل، وبذلك فقد تمكن من تكريس صورة الرجل الأبيض من خلال «جوي الافريقي» الذي تنكر لنضاله، بعد إلى أصبح مديراً للمدرسة، وهنا نلاحظ الاستراتيجية الكولونيالية عينها: التعليم والتبشير الديني من أجل تحقيق الإذعان الناعم للسلطة البيضاء.
في حين أن منيرا كان يرى أن التعليم جزءا من مرحلة الخروج من إرث الاستعمار، فسعى بكل جهوده إلى إلحاق الأطفال بالمدرسة، وتوفير مدرسين على الرغم من تجاهل العاصمة، أو المركز لطلباته، ولاسيما في المرحلة الأولى.
تتموضع شخصية منيرا من أجل بيان منظور الماضي ممثلاً بوجود النمط الإقطاعي قبل الاستعمار، ومن ثم التحول للنموذج الرأسمالي، فوالده كان رجل دين، وصاحب أملاك، وقد شكل جزءاً من معضلة البنية الاقتصادية والدينية التي لم تتمكن من تقديم حلول للواقع، ولذلك يقرر منيرا أن يجعل من الموروغ مكاناً للانعزال، غير أن مجريات الأمور تدفعه إلى التحول، وتبني قضايا تلك البلدة: «فبعد أن كان غريبا عن قضايا الأرض، وما يسمونه أشياء الدم، كما كل حديث عن الكولونيالية كان يضايقه، لم يكن يريد أن يفعل شيئاً، ولكن تقبل أهل القرية أدخله في الإحساس بأنه أصبح جزءاً، أو واحداً منهم، وهذا الشعور الذي لم يسبق له أن اختبره من قبل».
لعل هذا الوعي بالمكان ندركه من خلال عنوان الرواية، ففي أحد الدروس طلب منيرا من الأولاد البحث عن الأزهار، فوجدوا تويجات حمراء ليس فيها ميسم، ولا مدقات وكانت فارغة.
هذه الزهرة تبدو إحالة رمزية للأرض، أو الوطن الذي أفرغ من خصوبته، ولوثه الاستعمار بالاستغلال، وتعميق الحروب الأهلية، وبذلك يظهر الترابط بين الجمال والعنف، حيث يقول منيرا: «صحيح.
زهرة أكلها الدود، زهرة لن تثمر، لهذا يجب علينا أن نقتل الديدان دائما.
يكون للزهرة مثل هذا اللون أيضا إذا حرمت من النور».
إذ تقدّم الرواية صورة مكثّفة لحضور الاستعمار الذي يتخذ مسوغات تتماثل في كل بقعة حلت فيها القوى الاستعمارية: «لقد قطع عباب البحار والغابات مبشّرا، مسلّحاً بشهوة الربح التي هي إيمانه ونوره، وبالبندقية التي هي حمايته.
هو يحمل الكتاب المقدّس، والجندي يحمل البندقية، والإداري والمستوطن يحملان النقود.
المسيحية، التجارة، التمدّن: الكتاب، النقد، البندقية؛ ثالوثٌ مقدّس».
تمثل شخصية وانجا تلك الأنثى الجميلة المشتهاة، إذ تعكس استعارة بيّنة لكينيا، وما يكمن فيها من عوار يتمثل بالهيمنة على المرأة، التي ينكشف ماضيها وعلاقاتها، وسعيها لإنجاب طفل بعد أن أجهضت طفلها الأول، وهي مراهقة، فضلاً عن تعرض جسدها للانتهاك من قبل الرجل الأوروبي الذي يريد شراء فتاة إفريقية عذراء.
ومن هنا تأتي عودة وانجا إلى الموروغ بحثاً عن بداية جديدة، بيد أنها سرعان ما تمثل مركز جذب وتنافر بداعي تنافس منيرا وكاريغا.
تُعَدّ وانجا نتاجاً لثقافة ذكوريّة، فقد عانت من قمع أسرتها، وتخلى عنها كثيرون، كما تعرضت للاستغلال من الأوروبي والافريقي؛ وهو ما يمثل جزءاً من معضلة الذّات ضمن سياق ثقافي مركّب.
فشخصية وانجا إشكالية إلى حد بعيد؛ إذ أسهمت عبر النضال في تكوين صورة «الموروغ» الجديدة، وبذلت في سبيل ذلك جهداً كبيراً، غير أنّها ظلّت في الوعي الجمعي تُوسَم بأنها تلك «العاهرة»، على الرغم مما يكمن في داخلها من حياة وروح: «كانت هي الحياة، وهي الجاذب الأعظم في المكان؛ إنّهم يتحدّثون كأنّهم يريدون أن يبلغ حديثهم أذنيها، وأن يثيروا ضحكتها أو يستثيروا منها إيماءة استحسان».
عانت الموروغ من انحباس الأمطار، والإهمال الحكومي، علاوة على هجرة شبابها، ما تطلب من سكان القرية بقيادة (منيرا، وعبد الله، وووانجا، وكاريغا) أن تقوم برحلة شاقة، وهناك تنقلب السردية عبر تمثيل الفساد الذي نتج بعد رحيل الاستعمار، أو ذلك الوحش الآلة، وما أنتجه من نخب لا تكترث إلا بالإثراء على حساب الشعب، ففي الطريق للعاصمة يتخلى عنهم النائب (ابن جلدتهم)، والرجل الأوروبي، ورجل الدين، ضمن إدانة واضحة لهذه الفئات في رحلة ذات دلالة عميقة؛ قوامها الجمع بين الفساد المحلي، والأوروبي والدين في سلة واحدة.
تتحول القرية بعد تلك الزيارة إلى موضع اهتمام المستثمرين، حيث تستشعر الموروغ بنيتها القروية التي تتراجع لحساب المدينة؛ والمصرف البنكي، ومركز الشرطة والكنيسة، إذ يصبح الفلاحون أجيرين عند رجال الأعمال، وتُصادَر الأراضي، ويزداد الفقر، ويتفكك المجتمع الزراعي، فعلى الرغم من التطور الزائف الذي حملته المظاهر المادية، إلا أن هذا التطور لم يجلب سوى الدمار للبلدة التي فقدت هويتها، شأنها شأن كينيا، كما الدول التي تعرضت للاستعمار بداعي نمط الاستعمار الجديد.
تصور الرواية عوار التطور الزائف، فبعد أن كانت الموروغ قريةً مهجورة، أصبحت بلدةً ممتدّة من الحجر والحديد والإسمنت والزجاج والنيون» وبذلك أمست تمثيلاً للنمط الرأسمالي الذي استجلبه الاستعمار، وما أحدثه من تحوّلات في البنية، ولكن هذه البنية لم تحقّق العدالة؛ بل على العكس من ذلك، حيث عملت على سلب الأراضي، وتقويض العدالة، كما جاء في الرواية «هل هذا هو المجتمع الذي كانوا يبنونه منذ الاستقلال، مجتمع تستمر فيه حفنة من السود المرتبطين بمصالح أخرى من أوروبا… يستمرون باللعبة الاستعمارية في نهب عرق الآخرين، وإنكار حقهم في النمو وتفتح الأزهار في الهواء ونور الشمس».
يمكن قراءة تلك التحولات بوصفها إحالة إلى نمط نسقي شكّل نماذج للمرحلة التي تلت الاستعمار، وتتعلق أولاً بالتنكر للنضالات التي قامت على التضحية من خلال تلمّس حضورها السردي في الرواية من باب التأريخ، إلا أن المقصد في الرواية ينهض على رسم مشهدية للواقع بكل أبعاده، وتناقضاته البنيوية من خلال انكسار أحلام المناضلين، وظهور النماذج المشوهة بعد مرحلة الاستقلال.
فالرواية تنضح بمقولات تتصل بالثورة والانقلابات والنقابات، وغير ذلك من أجهزة النضال الشعبي، الذي تمتد من مرحلة الاستعمار إلى مرحلة ما بعد الاستقلال.
وهكذا، تعتني الرواية بنتاج ما بعد الاستقلال؛ إذ يتجاوز الأمر البعد الاقتصادي إلى ما هو ثقافي واجتماعي وسياسي، بوصفه نتاج المرحلة الحتمية، ولكن يبقى السؤال الأهم: لماذا دائماً الهزيمة؟ حيث تساءل جوزيف في حوار قائلاً: «حدثتنا عن التاريخ الأسود، وحدثتنا عن أبطالنا وانتصاراتنا المجيدة، لكن يبدو أنّها تنتهي كلّها بالهزيمة.
والآن أريد أن أوجّه سؤالي إن كان ما تقوله حقّاً، فكيف تمكّنت حفنة من الأوروبيين أن تقهر قارّة، وتحكمها طيلة أربعمئة سنة؟ ».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك