في ظل تصاعد التوتر الإقليمي وتشابك خطوط الاشتباك من جنوبي لبنان إلى الجنوب السوري، يرفع الاحتلال الإسرائيلي من حدة خطابها وتحركاتها الميدانية، ملوّحة باستهداف معبر المصنع الحيوي على الحدود السورية–اللبنانية، في خطوة تتجاوز أبعادها الجانب العسكري لتبعث برسائل سياسية وأمنية.
ويأتي هذا التهديد بالتوازي مع استمرار عمليات إسرائيل ضد حزب الله في الجنوب اللبناني، وتصعيد ميداني في القنيطرة أسفر عن استشهاد شاب برصاص قوات الاحتلال، في مشهد يعكس اتساع رقعة الضغط الإسرائيلي على أكثر من جبهة.
في المقابل يتقاطع هذا التصعيد مع حراك شعبي غير مألوف داخل سوريا، حيث خرجت مظاهرات في عدة مناطق احتجاجاً على إقرار الكنيست الإسرائيلي قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، لتكون سوريا الساحة العربية الوحيدة التي شهدت هذا النوع من التفاعل الشعبي في الأيام الأخيرة.
وبين تهديد شريان حدودي حيوي، وتصعيد عسكري متدرج، وغضب شعبي متصاعد، يبرز تساؤل ملح: هل تمضي إسرائيل نحو توظيف القوة للرد على هذا الحراك، أم أن ما يجري يندرج ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم قواعد الاشتباك وتوجيه رسائل تتجاوز الداخل السوري؟الضغط على سوريا للتحرك ضد" حزب الله"لا تبدو التهديدات الإسرائيلية المرتبطة بمعبر المصنع معزولة عن سياق أوسع من الضغوط السياسية، إذ تتقاطع مع مساعٍ لدفع دمشق نحو الانخراط في مسار إقليمي يستهدف حزب الله، سواء عبر التصعيد المباشر أو من خلال تحميلها أدواراً أمنية تتصل بملف سلاحه.
وكان لافتاً في التهديد الإسرائيلي بإخلاء منطقة معبر المصنع على الحدود اللبنانية – السورية، اتهام الناطق باسم الجيش الإسرائيلي لسوريا بأن" حزب الله يستخدم المعبر لأغراض عسكرية وتهريب وسائل قتالية"، على حد زعمه.
وجاء ذلك في بيان نشره المتحدث باسم جيش الاحتلال على منصة" إكس"، السبت الماضي، حذّر فيه جميع الموجودين في منطقة معبر المصنع (الذي يقابله معبر جديدة يابوس من الجانب السوري)، إضافة إلى المسافرين على طريق (M30)، من ضرورة مغادرة المنطقة بشكل فوري.
في هذا السياق يرى الباحث اللبناني صهيب جوهر أن هذه الاتهامات" تفتقر إلى المصداقية"، مرجحاً أن تكون جزءاً من محاولة لتهيئة مبررات لتصعيد محتمل، أو أداة ضغط لدفع سوريا نحو الانخراط في مواجهة مع حزب الله.
ويشير جوهر في حديثه لموقع تلفزيون سوريا إلى أن إسرائيل تسعى، في موازاة ذلك، إلى فرض دور سوري في مسألة نزع سلاح الحزب ضمن ترتيبات إقليمية أوسع.
وبحسب جوهر فإن هذه السردية الإسرائيلية تهدف إلى تقديم سوريا أمام المجتمع الدولي بوصفها طرفاً داعماً للحزب، بما يبرر زيادة الضغوط السياسية عليها، ودفعها للاستجابة لمطالب أميركية وإسرائيلية تتعلق بالتدخل في الملف اللبناني، وهو ما ترفضه دمشق حتى الآن.
إلى جانب ذلك يبدو واضحاً أن الحديث عن تهريب سلاح من سوريا إلى حزب الله" غير واقعي"، في ظل حالة العداء بين الطرفين على خلفية دور الحزب في سوريا خلال سنوات الثورة وما ارتكبه من انتهاكات بحق السوريين.
تصعيد إسرائيلي لفرض وقائع جديدة في سوريافي ظل اتساع رقعة الحرب في المنطقة، وتكثيف إسرائيل عملياتها في جنوبي لبنان واتهامها المتكرر بوجود مسارات لتهريب السلاح عبر الحدود السورية، يرى مراقبون أن تل أبيب تسعى لتوسيع نطاق المواجهة باتجاه سوريا، مستفيدة من التصعيد الأميركي–الإيراني.
ويأتي ذلك في وقت تؤكد فيه دمشق تمسكها بالحياد ورفضها الانخراط في الحرب، ما تعتبره إسرائيل عائقاً أمام استراتيجيتها الإقليمية.
في هذا السياق يرى الباحث في الشؤون الإسرائيلية بشار شلبي أن إسرائيل ماضية في سياسة" العدوان والاستفزاز" تجاه المنطقة عموماً وسوريا على وجه الخصوص، في محاولة لفرض وقائع ميدانية جديدة، مستفيدة من ظروف الحرب الإقليمية والدعم الذي تحظى به من إدارة دونالد ترامب.
ويقول شلبي في حديثه لموقع تلفزيون سوريا إن تل أبيب تسعى إلى إقناع واشنطن بضرورة توسيع العمل العسكري ليشمل سوريا، مستندة إلى ادعاءات تتعلق بإمداد حزب الله بالسلاح، رغم غياب الأدلة على ذلك.
ويتوقع شلبي أن تتخذ المرحلة المقبلة أشكالاً متعددة من التصعيد، من بينها تنفيذ عمليات" مطاردة ساخنة" داخل الأراضي السورية، أو استهداف المدنيين في مناطق الاحتكاك التي تقدمت إليها القوات الإسرائيلية عقب سقوط النظام المخلوع، بهدف استدراج ردود فعل سورية يمكن استثمارها لتوسيع رقعة المواجهة، بما يحقق مكاسب إضافية في سياق مشروع أوسع لتغيير توازنات الشرق الأوسط.
ويؤكد الموقف الإسرائيلي الرسمي هذا التوجه، إذ شدد بنيامين نتنياهو على أن إسرائيل لن تسمح بترسيخ أي وجود عسكري معادٍ في سوريا، وأنها ستعمل على إحباط أي محاولات لنقل السلاح أو فتح جبهات ضدها من الأراضي السورية، في إشارة واضحة إلى استعداد تل أبيب لتوسيع دائرة المواجهة.
التظاهرات تشعل القلق الإسرائيلي وتدفع نحو التصعيدتفتح موجة التظاهرات التي شهدتها عدة مدن سورية رفضاً لقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين باب التساؤل حول ارتباطها بالتصعيد الإسرائيلي الأخير، في ظل مخاوف تل أبيب من تحوّل هذا الحراك إلى عامل ضغط سياسي أو ميداني على حدودها الشمالية.
وامتدت التحركات الشعبية الرافضة لقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، الذي أقرّه الكنيست الإسرائيلي، من محافظة درعا في الجنوب السوري إلى العاصمة دمشق، وصولاً إلى مدينة حلب، حيث شهدت هذه المناطق تظاهرات ومسيرات ووقفات رمزية، بعضها نُظم أمام مقار مؤسسات دولية ومرافق تعليمية.
وتزامنت هذه التحركات مع مؤشرات توتر ميداني في المنطقة الجنوبية، إذ أفادت مصادر محلية بإطلاق القوات الإسرائيلية قنابل مضيئة في سماء الشريط الحدودي قرب بلدة الرفيد في ريف القنيطرة الجنوبي، عقب رصد تحركات لمحتجين من درعا والقنيطرة باتجاه مناطق قريبة من خطوط التماس، في سياق احتجاجات داعمة للأسرى الفلسطينيين.
وفي قراءة للعلاقة بين الحراك الشعبي والتصعيد الإسرائيلي، يرى الباحث محمود علوش أن" التصعيد الإسرائيلي يمكن فهمه كرسالة موجهة إلى سوريا، على خلفية المظاهرات التي شهدتها دعماً للأسرى الفلسطينيين".
ويؤكد علوش في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن استهداف مناطق في ريف القنيطرة" لا يبدو منفصلاً عن هذا الحراك"، بل يندرج ضمن محاولة إسرائيلية لإبقاء الساحة السورية تحت الضغط، ومنع تحوّلها إلى مساحة إسناد سياسي أو حتى ميداني خارج حسابات تل أبيب.
ويشير إلى أن هذا القلق الإسرائيلي تصاعد مع توجه مجموعات من المحتجين نحو المناطق الحدودية، وظهور دعوات للتصعيد من بعض الفعاليات والعشائر، بالتزامن مع تنامي التفاعل الشعبي مع القرار الإسرائيلي، ما يعزز من احتمالات استمرار التوتر في الجنوب السوري خلال المرحلة المقبلة.
بالنهاية يمكن قراءة التصعيد الإسرائيلي الأخير تجاه سوريا -بحسب تقديرات بحثية- ضمن محاولة مستمرة لفرض هذه" الخطوط الحمراء" بالقوة، بما في ذلك توجيه ضربات داخل الأراضي السورية كلما اعتُبر أن هذه الخطوط قد تم تجاوزها، أو حتى لاختبار ردود الفعل السورية واستدراجها إلى معادلة ردع جديدة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك