فجّرت الاعترافات التفصيلية للإرهابي الإخواني على عبدالونيس زلزالاً عنيفاً هز أركان ما تبقى من هيكل تنظيم الإخوان المترنح، وكشفت للعيان عورات التنظيم السرى المسلح التي حاولوا مواراتها خلف جدران الكذب لسنوات، فما كان مما يُعرف بـ«جبهة لندن» إلا أن سارعت بإصدار بيان دفاعى يائس، ممهور بتوقيع القائم بأعمال المرشد صلاح عبدالحق، في محاولة هزلية لترميم التصدّعات والالتفاف على الحقائق الدامغة التي لا ينكرها إلا مخادع أو صاحب هوى.
أما عن صلاح عبدالحق صاحب البيان، فهو ابن تنظيم 1965 وتلميذ سيد قطب، والمؤمن حتى النخاع بجاهلية المجتمع ووجوب تغييره بالقوة.
أما عن البيان، ففي مفارقة غريبة نجده لم يقف عند حد الإنكار الفجّ لنهج العنف المتجذّر في تلك الجماعة، بل تجاوز ذلك إلى تزييف مفضوح للتاريخ، إذ زعموا أن للجماعة سجلاً في «مقاومة الاحتلال»، وهي فرية لا تعدو كونها مساحيق تجميل رخيصة وُضعت بعناية لمحاولة تحسين وجه قبيح أدمن الصدام مع الدولة ومؤسساتها، فتاريخ هذا التنظيم يصرخ بالوقائع، فهو لم يؤسس لأى عمل وطنى ضد الإنجليز، بل عقد معهم صفقات ومد يد التعاون معهم، اللهم إلا إذا كان التمويل الذي أخذه حسن البنا من الإنجليز لإنشاء الجماعة في الإسماعيلية عملاً وطنياً! ! كما أنه لم يغتل إلا رموزاً مصرية وطنية، ولم يُفجّر إلا منشآت مصرية، ولم يوجه رصاصه إلا لصدور أبناء الوطن.
لقد جاء هذا الخطاب ليسوّق صورة «ديمقراطية» متخيلة للاستهلاك الخارجى، متنصلاً بانتهازية معهودة من مرتكبى الإرهاب بوصفهم «منشقين»، ومحمّلاً الدولة تبعات الدماء التي أُريقت، وكأن الدولة هي التي اغتالت النائب العام الشهيد هشام بركات، وهي التي اغتالت قضاة محكمة العريش، وهي التي فجّرت الكنائس ومديريات الأمن، وهي التي قتلت الجنود البسطاء في أكمنة الشرطة، وكأن محمد مرسى لم يقل في اجتماع عام أثناء حكمه إنه على استعداد للتضحية بمليون مصرى حتى يعيش الوطن، وكأن جرائمهم اختفت من سجل التاريخ.
غير أن قراءة متأنية لهذا البيان تكشف أنه يتجاوز ظاهر النص، ليسعى إلى إعادة صياغة الصورة الذهنية للجماعة في لحظة حرجة، فهو مناورة سياسية وُلدت تحت وطأة «هتك الستر» التنظيمى الذي أحدثه المجهر الكاشف لاعترافات عبدالونيس، والتي فضحت الهياكل العسكرية الموازية التي تعمل تحت مسميات «حسم» و«لواء الثورة» وجناحهما السياسى «ميدان»، وهي في الحقيقة مجرد أذرع لهذا الأخطبوط.
ومن هنا، يبدو البيان وكأنه خطاب «مُعد للتصدير» بالدرجة الأولى، كرسالة طمأنة عاجلة مُصاغة بحبر دبلوماسى خلف ضباب العاصمة البريطانية، لتصل إلى مراكز القرار الغربى كحبل نجاة استباقى أمام القوانين الدولية التي باتت تطارد أشباح العنف الإخواني العابر للحدود.
إنها استراتيجية «الإنكار المتطهر» التي تسعى لبناء صرح من المثالية الأخلاقية فوق أنقاض وقائع مادية، حيث مارس البيان نوعاً من الانفصام التنظيمى المتعمّد، فكيف لحركة تفاخر دوماً بصلابة «التنظيم الحديدي» والسمع والطاعة أن تسقط من حساباتها أجنحة حركية باركت أعمالها لسنوات طويلة، وكانت هي المبتدأ والخبر في تفاعلاتها على الأرض؟إن استدعاء إرث حسن البنا في هذا السياق يحمل مفارقة تاريخية كبرى، فالبنا نفسه هو من وضع اللبنات الأولى لـ«النظام الخاص»، وما بيانه الشهير «ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين» إلا «تكتيك» قديم يُستخدم كلما ضاق الخناق الأمنى أو افتضح أمر الجناح السري.
ويمضى البيان بنبرة استعلائية، خالطاً بين العمل الدعوى والصراع الوجودى، زاعماً أن النظام المصرى يستهدف الإسلام لا الإخوان، وهو خطاب تكفيرى واضح يُؤسس لموجات إرهاب جديدة، ومحاولة مكشوفة للتخفّي وراء قضايا الأمة الكبرى لاكتساب حصانة شعبية زائفة، واعتبار الشهادات الحية محض «أجندات إعلامية».
هذه المغالطة المنطقية تحول الكيان السياسى إلى «فكرة مقدّسة» فوق المساءلة، متجاهلة أن «الشرعية» المدعاة لا تمنح صك غفران لاستباحة الدماء.
أما العزف على وتر «الديمقراطية»، فهو تجسيد لمفهوم الديمقراطية الإجرائية التي تُستخدم كجسر للعبور، ثم تُحرق فور الوصول، مع تناسي ممارسات التغول التي سبقت عام 2013، والتي كانت في جوهرها عنفاً سياسياً ضد هوية الدولة.
وخلاصة القول، إن هذا البيان لا يخرج عن كونه حلقة جديدة في سلسلة طويلة من «أدبيات التبرير» التي أدمنتها الجماعة، فهي لم تملك يوماً شجاعة الوقوف أمام مرآة الحقيقة، ولم تعرف مسلك الاعتذار عن خطايا أدمت جسد الوطن، بل ظلت متمترسة خلف يقين زائف بقدسية متوهمة، تخلط فيها عمداً بين «التنظيم» و«الدين».
إن إصرار الجماعة الدائم على إلقاء تبعات آثامها على الآخرين، واعتبار نفسها كياناً منزّهاً فوق المساءلة، يؤكد أنها تأبى النزول من برج «العصمة» المزعوم.
وما هذا الخطاب إلا استمرار للعبة «غسيل الخطايا»، ليُثبت التنظيم مرة أخرى أنه يرى نفسه «هو الحق»، وما دونه هو الباطل، ليبقى غارقاً في أوهامه، بينما تظل الحقيقة شاهدة على تاريخ من الصدام لم يعرف يوماً فضيلة الاعتراف بالخطأ أو شرف التوبة الوطنية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك