يواجه العالم واحدة من أضخم الأزمات النفطية في التاريخ، مع توقف إمدادات النفط والغاز من الخليج، وسط استمرار غلق إيران لمضيق هرمز الذي يمر عبره حوالى 20% من النفط والغاز العالميَّين، ما تسبب في ارتفاع أسعار الطاقة ونقص كبير في الإمدادات الدولية.
لمواجهة هذه السابقة، تقوم دول العالم بإجراءات تقشفية قاسية تصل إلى حد تقنين الكهرباء واستهلاك الوقود، وصولاً إلى الحد من استخدام وسائل النقل الخاص.
التأثيرات طاولت الدول المشاركة في الحرب بطبيعة الحال وكذا المحيطة بها، إذ تعرضت الشبكة الوطنية الإيرانية للكهرباء لضربات جوية وسيبرانية مكثفة، ما أدى إلى انقطاعات واسعة للكهرباء بعد استهداف منشآت حيوية في أواخر مارس 2026.
وتمتد الأزمة إلى العراق بسبب اعتماده الكبير على الغاز الإيراني لتشغيل محطاته الكهربائية، إذ شهدت البلاد" إظلاماً تاماً" في أوائل مارس/آذار، فيما يسيطر التقنين على مساحة كبيرة من البلاد.
وفيما بدأت الأسواق المصرية تقفل عند الساعة التاسعة مساءً لتوفير الطاقة، تفاقمت الأزمة اللبنانية المزمنة لتصل إلى مرحلة قاسية من الانقطاع الكهربائي نتيجة أزمة الإمدادات من جهة، وخروج محطات تحويل رئيسية عن الخدمة نتيجة القصف الإسرائيلي المباشر من جهة أخرى، فيما زادت ساعات التقنين في سورية منذ مطلع الحرب.
إلّا أنّ الأزمة لم تقتصر على الدول العربية، بل امتدت إلى العالم وخاصة في أوروبا وآسيا.
إذ تقوم شركات الطيران في جميع أنحاء آسيا بتقليص رحلاتها، وتستعد شركات الطيران الأوروبية لاضطرابات مماثلة بعدما أدى إغلاق إيران لمضيق هرمز إلى قطع ما يقرب من 21% من إمدادات وقود الطائرات المنقولة بحراً على مستوى العالم، وفقاً لشركة كيبلر.
وتعتبر آسيا الأكثر تضرّراً من الحرب بخاصة من إغلاق مضيق هرمز، إذ تعتمد القارة بشكل حيوي على الغاز والنفط القادم عبر المضيق، إذ خفضت الحكومة الهندية الرسوم الجمركية على البنزين والديزل، واتخذت تدابير طارئة لتحويل إمدادات الغاز من القطاعات غير ذات الأولوية إلى المستخدمين الرئيسيين.
وفي باكستان، خفضت الحكومة مخصصات الوقود بنسبة 50% لمدة شهرين، وجرى تقليص أسبوع العمل إلى أربعة أيام في المكاتب الحكومية، على أن تعمل جميع المكاتب بحضور 50% من الموظفين فعلياً، بحسب" رويترز".
فيما بدأت المكاتب والبنوك في بنغلادش تفتح أبوابها لمدة سبع ساعات، وتغلق مراكز التسوق بحلول الساعة السابعة مساءً، كما يجب على المكاتب خفض استهلاك الطاقة، بما في ذلك تجنّب الإضاءة المفرطة، إضافة إلى خفض استهلاك الوقود والطاقة في المكاتب العامة، وفرض قيود على السفر غير الضروري.
كذلك، مدّدت نيبال العطلة الأسبوعية من يوم واحد إلى يومين في المدارس والمكاتب الحكومية.
وتعتزم الحكومة اتخاذ" ترتيبات قانونية" لتحويل سيارات البنزين والديزل إلى سيارات كهربائية، فيما بدأ تفعيل نظام تقنين استهلاك غاز الطهي.
وأعلنت سريلانكا يوم الأربعاء عطلة رسمية للمساعدة في زيادة إمدادات الوقود، وجرى تقليص خدمات القطارات والحافلات، ورفع أسعار الكهرباء للأسر والصناعات.
ورغم أن أوروبا أقل اعتماداً مباشرةً على مضيق هرمز من آسيا، إلّا أنّ قفزة أسعار النفط والغاز أجبرت الدول على اتخاذ إجراءات تقشفية.
وقال دان يورغنسن، المفوض الأوروبي لشؤون الطاقة والإسكان، لـ" فاينانشال تايمز" إن التكتل يقيّم" جميع الاحتمالات" لمعالجة الآثار طويلة المدى للحرب، بما في ذلك إطلاق المزيد من النفط من الاحتياطيات الاستراتيجية، كما حذر (المسؤول الدنماركي) من أن الاتحاد الأوروبي قد يتوقع أن يكون الوضع أسوأ في الأسابيع المقبلة بالنسبة لبعض المنتجات" الحيوية".
وقال المفوض إنّ الاتحاد الأوروبي" يستعد لأسوأ السيناريوهات"، بما في ذلك تقنين المنتجات الأساسية مثل وقود الطائرات أو الديزل، على الرغم من أنه" لم يصل إلى تلك المرحلة بعد".
وحث مفوض الطاقة الأوروبيين على العمل من المنزل حيثما أمكن ذلك، وخفض حدود السرعة على الطرق السريعة بمقدار 10 كيلومترات في الساعة، وتشجيع النقل العام، والتناوب في استخدام السيارات الخاصة، وزيادة مشاركة السيارات.
وفرضت حكومة سلوفينيا قيوداً جديدة على مشتريات الوقود، وأعلن رئيس الوزراء روبرت غولوب في نهاية مارس أن كمية الوقود المُباعة في محطات الوقود ستقتصر على 50 لتراً للفرد و200 لتر للشركات يومياً.
وذكرت قناة" RTV SLO" أن هذا الإجراء سيُطبق على مستوى البلاد، مع التركيز بخاصّة على محطات الخدمة على الطرق السريعة.
وقال غولوب: " إذا لزم الأمر، فسنتخذ أيضاً تدابير أخرى".
وتخفض ليتوانيا أسعار تذاكر القطارات بنسبة 50% على جميع الخطوط الداخلية من 1 إبريل/نيسان إلى 31 مايو/أيار، للتشجيع على استخدام وسائل النقل العام بدلاً من السيارات الخاصة؛ وبحسب التقديرات الرسمية، فإن هذا الإجراء سيكلف ميزانية الدولة حوالى 1.
5 مليون يورو.
من جهته، قال المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول، لصحيفة لوفيغارو الفرنسية أمس الثلاثاء، إنّ أزمة النفط والغاز الحالية التي أثارها حصار مضيق هرمز" أخطر من أزمات أعوام 1973 و1979 و2022 مجتمعة"، وأضاف في مقابلة مع الصحيفة: " لم يشهد العالم من قبل انقطاعاً في إمدادات الطاقة بهذه الضخامة".
وتابع أن الدول الأوروبية واليابان وأستراليا ودولاً أخرى ستتأثر، لكن الدول الأكثر عرضة للخطر هي الدول النامية التي تعاني من ارتفاع أسعار النفط والغاز، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، وتسارع معدلات التضخم.
واتفقت الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية الشهر الماضي على السحب من احتياطياتها الاستراتيجية، وقال بيرول إن جزءاً من هذه الاحتياطيات سُحب منه بالفعل، والعملية مستمرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك