إذا كانت المنابر والكنائس في الماضي فضاء الوعظ والتبشير الديني، فإن الخوارزميات ومنصات التواصل الاجتماعي باتت تؤدي اليوم جزءاً متزايداً من هذا الدور.
ففي عصر الـ" ريلز" والـ" ستوري" والـ" ترند"، لم يعد الوصول إلى الجمهور يمرّ بالضرورة عبر المذبح، بل عبر شاشة الهاتف، حيث تُصنع الشهرة وتُخاض معارك التأثير.
ويبدو أن الفاتيكان والكنيسة الكاثوليكية يدركان جيداً قواعد هذه اللعبة الجديدة.
فبمناسبة الزيارة المرتقبة للبابا لاوون الرابع عشر إلى إسبانيا، التي بدأت أمس السبت وتستمر حتى الجمعة، حشدت منصة" مع البابا"، التي أنشأها مؤتمر الأساقفة الإسبان والأبرشيات المشاركة في الحدث، أكثر من 500 مؤثر وصانع محتوى كاثوليكي من مختلف أنحاء البلاد، لتحويل الزيارة إلى حدث رقمي واسع الانتشار.
وجاءت هذه الخطوة بعد أشهر من التنسيق بين أبرشية مدريد ومجموعة من المبدعين والمؤثرين العاملين في المحتوى الديني، في إطار استراتيجية تسعى إلى نقل الرسالة الكاثوليكية إلى الفضاء الذي يقضي فيه الشباب معظم وقتهم: منصات التواصل الاجتماعي.
وكانت أبرشية مدريد جمعت هؤلاء المؤثرين والمبدعين في مجال المحتوى الديني، خلال مايو/أيار الماضي، لتنسيق جهودهم.
وسبق أن كتبت منظمة" مع البابا" على موقعها الإلكتروني الرسمي أن" المواعظ هي بمثابة حساب يسوع على إنستغرام".
وتهدف المنظمة إلى تحويل زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى حدث رقمي ضخم، ذلك أن جيش المؤثرين وصنّاع المحتوى الذي وصل إلى العاصمة الإسبانية لا يعمل بشكل فردي، بل ضمن خطة رقمية إعلامية دينية تقودها الكنيسة الكاثوليكية في إسبانيا، خصوصاً في وقت تواجه فيه تراجعاً في حضورها التقليدي بين فئة الشباب.
ووفقاً لاستطلاعاتٍ أخيرة فإنّ عدد الكاثوليك الممارسين لا يصل إلى أكثر من 16%، بينما لا يصل عدد المتدينين من الشباب.
وبناء على هذه الإحصائيات قررت الكنيسة إعادة التفكير في حضورها واستراتيجيتها.
ويبدو أنّ الكنيسة لا تريد أن تترك أي شيء للمصادفات خلال زيارة البابا.
فمشاهير منصات التواصل الاجتماعي يعرفون جيداً أماكن الفعاليات، وقد خصصت لهم أماكن مناسبة لتصويرها من زوايا مثالية، وقدمت لهم جميع التسهيلات كي يلتقطوا الـ" ستوري الأفضل" أو الـ" ريلز" الأكثر جذباً للمتابعين.
وتبعاً للكنيسة لن تقتصر مهمة هؤلاء المبشرين الرقميين على الحديث عن الدين، وسيفعلون ذلك بلغة يفهمها العالم، ولا سيما جيل الشباب.
ومن بين هؤلاء" المبشرين الرقميين" الذين ينقلون الإيمان بلغة الإنترنت اليومية تبرز الراهبة الإسبانية شيسكايا فايادريس، المعروفة بـ" الراهبة المغردة" (في إشارة إلى التغريد على منصة إكس حين كان لا يزال اسمها تويتر)، وتعتبر من بين أوائل من دخلوا هذا المجال.
تمتلك فايادريس حساباً على منصة إكس منذ أكثر من 17 عاماً، ولديها أكثر من نصف مليون متابع على حسابها في منصة تيك توك.
كذلك تبرز المؤثرة باتريسيا سيرانو في حسابها على" إنستغرام"، والمؤثر كيكي ميرا.
وسيعمل هؤلاء المؤثرون الرقميون وغيرهم وينشرون محتواهم تحت وسم موحد لـ" تغذية الخوارزميات" وتوسيع الانتشار، فالهدف هو أن يعرف الجميع أن البابا وصل إلى إسبانيا، حتى من لا يستطيع الحضور.
ولن يقتصر الهدف على المتدينين فقط، بل" جميع من يفهم المشاعر الإنسانية".
وبطبيعة الحال، لن يقدم الكثير من هؤلاء المؤثرين محتوى وعظياً مباشراً وتقليدياً جافاً، بل سيشاركون تفاصيل حياتهم اليومية من منظور إيماني.
فمثلاً، سيشارك المؤثر كيكي ميرا لحظاته مع زوجته وأحاديثه عن العلاقات والزواج.
أما المؤثر ألفارو توريس، الأب لعائلة كاثوليكية كبيرة، فينقل يوميات أسرية عادية يندمج فيها الإيمان مع تفاصيل الحياة اليومية بصورة طبيعية.
ومهما يكن من أمر، فلا تبدو مهمة الكنيسة الكاثوليكية في إسبانيا سهلة، على الرغم من جيش المؤثرين الذي احتشد في مدريد من أجل زيارة البابا.
فإلى جانب التراجع المستمر في أعداد الملتزمين دينياً، تواجه الكنيسة أزمة ثقة عميقة، ولا سيما بعد ملف الاعتداءات الجنسية التي صدمت الرأي العام الإسباني.
إذ ظهرت إلى العلن شهادات وتقارير لانتهاكات جنسية إزاء قاصرين وغيرهم، تورط فيها رجال دين داخل المؤسسات الكنسية.
وأثارت هذه الانتهاكات موجة غضب في المجتمع الإسباني، ولا سيما فئة الشباب، وهو ما أبعدهم عنها وصاروا ينظرون إليها بريبة.
واليوم تحاول الكنيسة إعادة التواصل مع هذا الجيل، من خلال عالم المؤثرين ومنصات التواصل الاجتماعي، مستغلةً زيارة البابا لاستعادة التواصل مع المجتمع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك