الجزيرة نت - لهذا فشلت ألمانيا في الحصول على مقعد غير دائم في مجلس الأمن العربي الجديد - رئيس مانشستر سيتي يكشف كواليس رحيل غوارديولا القدس العربي - سلام: الجنوب اللبناني يدفع ثمن كل ساعة تأخير بوقف النار مع إسرائيل التلفزيون العربي - تفاصيله غامضة.. ما قصة المشروع الفاخر المرتبط بصهر ترمب وابنته ويثير القلق في ألبانيا؟ قناة الغد - الهلال الأحمر المصري يستقبل دفعة جديدة من المصابين الفلسطينيين قناة التليفزيون العربي - إلى أي حد يتخذ حزب الله موقف رفض إعلان واشنطن بناء على ثقته بعدم تخلي إيران عنه؟ روسيا اليوم - لافروف: لو مضت واشنطن في مبادرتها السلمية لتوقف القتال في أوكرانيا منذ زمن طويل العربية نت - رسمياً.. ريال مدريد يدفع 15 مليون يورو للتعاقد مع مورينيو الجزيرة نت - انتحار سائق شاحنة بسبب غرامة مرورية يشعل احتجاجات في العراق روسيا اليوم - بوليانسكي محذرا من أن دعم زيلينسكي "قد يؤدي إلى كارثة تفوق تشيرنوبيل"
عامة

عندما يسرق الفراغ قلبًا

إيلاف
إيلاف منذ 1 شهر
1

كان حسّان يعيش في مدينةٍ مزدحمةٍ بالوجوه، لكنها كانت، في عينيه، مدينةً بلا قلوب. يمشي في شوارعها كما يمشي الظلّ خلف صاحبه: حاضرٌ بالجسد، غائبٌ بالروح. لم يكن فقيرًا في المال، ولا معدمًا في العمل، لكنه...

ملخص مرصد
عانى حسّان من فراغ عاطفي في حياته الواقعية، فانتقل للعالم الافتراضي أملاً في إيجاد علاقات حقيقية. تعرّف على خالد عبر وسائل التواصل، الذي استغل عاطفته وطلب منه مالاً، ثم اختفى مع شريكته في الاحتيال. ظل حسّان ينتظر عودتهما رغم خيبة أمله، إذ سُرق منه الأمل وليس المال فحسب.
  • حسّان عانى من فراغ عاطفي في حياته الواقعية قبل انتقاله للعالم الافتراضي
  • خالد استغل عاطفة حسّان وطلب منه مالاً ثم اختفى مع شريكته في الاحتيال
  • حسّان ظل ينتظر عودة خالد والفتاة رغم اختفائهما واختفاء حساباتهما
من: حسّان، خالد، فتاة مجهولة أين: مدينة غير محددة، العالم الافتراضي

كان حسّان يعيش في مدينةٍ مزدحمةٍ بالوجوه، لكنها كانت، في عينيه، مدينةً بلا قلوب.

يمشي في شوارعها كما يمشي الظلّ خلف صاحبه: حاضرٌ بالجسد، غائبٌ بالروح.

لم يكن فقيرًا في المال، ولا معدمًا في العمل، لكنه كان مفلسًا في شيءٍ آخر أشدّ قسوةً: العاطفة؛ ولشدّةِ جفافِ عاطفتِهِ، تكسَّرتْ على صدرِهِ مواسمُ الحبِّ كلُّها، فصارتْ أيامُهُ متشابهةً كحَبَّاتِ مطرٍ في صحراءَ لا تعرفُ الخصبَ.

كان قلبه أشبه بغرفةٍ قديمةٍ أُغلقت نوافذها منذ سنوات، يتكدّس فيها الصمت كما يتكدّس الغبار على الأثاث المهجور؛ كلّما حاول أن يفتح بابها ليدخل أحدٌ ما، عاد خائبًا.

لا حبّ استقرّ، ولا صداقةٌ نمت، ولا حتى حوارٌ طويلٌ استطاع أن يملأ تلك الفجوة الغامضة التي كانت تتسع في داخله يومًا بعد يوم.

ومع مرور الوقت، صار الفراغ داخله كصحراء تمتدّ بلا نهاية، حتى إن صوته حين يتحدّث إلى نفسه كان يرتدّ إليه كصدى بعيد في وادٍ مقفر.

أصابَتْهُ الكآبةُ كحمَّى مزمنةٍ، والقلقُ كظلٍّ لا يفارقُهُ؛ وفي إحدى الليالي التي كانتْ أطولَ من ليالي العذابِ كلِّها، مدَّ يَدَهُ المرتجفةَ إلى هاتفِهِ، فاتحًا نافذةً على العالمِ الافتراضيِّ، بعدَ أن أغلقتْ في وجهِهِ نوافذُ الحياةِ الحقيقيةِ واحدةً تلوَ الأُخرى.

نعم؛ جلس حسّان أمام شاشة هاتفه كما يجلس الغريق أمام قطعة خشب عائمة، وكانَ كمن يرمي بنفسِهِ في البحرِ وهو لا يُحسنُ السباحةَ.

فكّر أن يجرّب حظّه في وسائل التواصل الاجتماعي، بعد أن فشل في الحياة الاجتماعية الواقعية في تكوين علاقة حب، أو حتى صداقة بسيطة تشبه دفءَ البشر.

قال في نفسه: " ربما توجد القلوب هناك؛ خلف الشاشات".

وهكذا دخل العالم الأزرق اللامتناهي، حيث تبدو الأرواح وكأنها قريبة، بالرغم من أن بينها مسافاتٍ من الوهم.

لم تمضِ أيامٌ قليلة حتى تعرّف على شخصٍ يُدعى خالد.

كان خالد بارعًا في الكلام، يعرف كيف ينسج العبارات كما ينسج العنكبوت خيوطه الدقيقة.

رحّب بحسّان بحرارةٍ مفاجئة، وأغدق عليه كلمات المودّة والإعجاب، حتى شعر حسّان، لأول مرة منذ زمن طويل، أن هناك من يراه حقًّا.

لم تسع الأرض حسّان فرحًا.

فخالد لم يكتفِ بالحديث الودود، بل عرض عليه صداقته بإلحاحٍ كريم، ودعاه للعشاء يومًا ما، بل ووعده بهديةٍ قال: إنها لا تُقدَّر بثمن.

كانت الكلمات تتساقط على قلب حسّان كالمطر فوق أرضٍ عطشى منذ سنين.

لكن ما لم يكن حسّان يعلمه، أن خلف تلك الكلمات عقلًا بارعًا في فنون التلاعب النفسي.

ففي الوقت نفسه، تواصل خالد مع فتاةٍ يعرفها، كانت تشاركه مهنةً خفية: النصب والاحتيال.

طلب منها أن تدخل صفحة حسّان على تطبيق الفيسبوك وتبدأ حديثًا عابرًا معه.

فعلت ذلك ببراعة.

جاملته بلطف، ولاطفته بعباراتٍ رقيقة، وكانت تعرف جيدًا كيف تُصيب الأوتار الخفية في قلب رجلٍ وحيد.

وخلال يومين فقط، كان حسّان قد سلّم لها مفاتيح عاطفته دون أن يشعر.

وهكذا وجد نفسه، دون أن يدري، بين فكّي كماشةٍ خفيةٍ: امرأةٌ من وهمٍ، ورجلٌ من سراب.

في اليوم الثالث، اتصل به خالد عبر الماسنجر.

وبعد دقائق، اتصلت به الفتاة أيضًا.

كلٌّ منهما على حدة.

كان الصوتان متوترين، مليئين بالاعتذار والحرج.

قالا: إنهما خارج المنزل، وإنهما يمران بظرفٍ طارئ، ويحتاجان إلى رصيدٍ ماليٍّ عاجل.

لم يشك حسّان لحظة.

كان قلبه الطيب، الذي يشبه نافذةً مفتوحةً دائمًا، يسمح لكلّ ريحٍ أن تدخل.

أرسل إلى خالد مئة دولار، وأرسل إلى الفتاة مئتي دولار، ثم جلس ينتظر.

لكن بعد ساعات قليلة، حدث شيء غريب.

اختفى الحسابان من تطبيق الفيسبوك كما يختفي فصّ الملح في الماء.

لم يعد هناك خالد، ولا الفتاة، ولا الرسائل، ولا الوعود.

فقط شاشة صامتة.

وكان المنطق يقول إن حسّان قد خُدع.

لكن المفارقة العجيبة أن قلب حسّان لم يفكر في الخديعة بقدر ما فكر في القلق.

صار مضطربًا، خائفًا على صديقه الكريم، وعلى تلك الفتاة اللطيفة التي دخلت حياته كنسمةٍ رقيقة ثم اختفت فجأة.

قال لنفسه: ربما أصابهما سوء.

ربما حدث لهما أمرٌ خطير.

ومنذ ذلك اليوم، صار يفتح تطبيق الفيسبوك كل صباحٍ ومساء، كمن يفتح نافذةً على طريقٍ ينتظر فيه عودة مسافر.

ينظر إلى الشاشة طويلًا، لعلّ رسالةً تظهر، ولعلّ اسم خالد يضيء مرةً أُخرى، ولعل الفتاة العاطفية تكتب له: " حبيبي حسّان أنا بخير".

وكان يدعو الله لهما أحيانًا، بصدقٍ طفوليٍّ عجيب.

وهنا تكمن المأساة العميقة التي لم يفهمها حسّان: لم يكن المال هو ما سُرق منه، بل الأمل.

وظلَّ هكذا ينتظر، ينتظر رسالةً لن تأتيَ، من أناسٍ لم يكونوا موجودينَ أصلًا، في عالمٍ صنعَ من قلوبِ الناسِ أرقامًا، ومن عواطفِهم بضاعةً، ومن سذاجةِ الطيبينَ أرباحًا.

نعم، قد تحولت العلاقات الإنسانية والعاطفية إلى سلع في عصر الرقمنة، حيث أصبحت العواطف تباع وتشترى، وأصبح الخداع مهنة منظمة تستغل حاجة البشر إلى التواصل.

لكن المشكلة لم تكن في الذين خدعوه، بل في ذلكَ الفراغِ الرهيبِ الذي جعلَ قلبَهُ مستعدًّا لاستقبالِ أيِّ وهمٍ.

فالإنسان حين يشتدّ عطشه العاطفي، قد يشرب حتى من سراب، وحين تطول وحدته، قد يتمسّك بأي صوتٍ يهمس له من العتمة، حتى لو كان ذلك الصوت قادمًا من قلب المخادع الماكر.

وفي كل ليلة، قبل أن ينام، كان حسّان يحدّق في هاتفه لحظةً أخيرة، ويتساءل في صمتٍ يشبه الحلم: هل كان خالد والفتاة مجرد وهم؟ أم أن العالم الحقيقي هو الذي أصبح أكثر قسوةً؟

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك