روسيا اليوم - وسط انفجارات تهز إسرائيل.. "حنظلة" تعلن اغتيال مدير في الموساد وتقرير عبري يقدم رواية مغايرة (فيديو) روسيا اليوم - بوتين: مقترحات ترامب بشأن أوكرانيا تتطلب تنازلات من موسكو وكييف على حد سواء العربي الجديد - الكويت وأميركا تدينان الاعتداءات الإيرانية وتؤكدان مواصلة التنسيق روسيا اليوم - رسالة أممية حاسمة إلى الليبيين بشأن توطين المهاجرين روسيا اليوم - بوتين: روسيا لا تفرض أسماء مفاوضين ولا ترفض الحوار مع أوروبا العربي الجديد - بوتين: علينا تعزيز دفاعاتنا الجوية وترامب طلب منا تقديم تنازلات روسيا اليوم - زيلينسكي يكتب رسالة مفتوحة إلى بوتين يقترح فيها إنهاء الحرب والكرملين يرد قناة الغد - بوتين: مقترحات ترمب قد تشكل أساسًا للسلام في أوكرانيا قناة الجزيرة مباشر - America: Highest Level of Food Insecurity in Over a Decade قناه الحدث - تشديد سعودي بضرورة وقف تهجير الفلسطينيين
عامة

لبنان: حيث تصبح الزيارة الأخيرة بلا موعد والموت بلا قصد!

القدس العربي
القدس العربي منذ 1 شهر
1

في لبنان، لا تحتاج المآسي إلى مقدمات طويلة. يكفي أن تتقاطع حياة بسيطة مع لحظة غير محسوبة، حتى تنقلب كل المعادلات. في عين سعادة، لم تكن العمارة التي استهدفت مجرّد مبنى سكني عادي، إنما كانت مساحة لحياة ...

ملخص مرصد
في لبنان، أدت غارة جوية إلى مقتل ثلاثة أشخاص بينهم بيار معوض وزوجته وجارته، رغم عدم استهدافهم. (بحسب التقرير) استهدفت الضربة شخصاً محدداً، لكن النتائج تجاوزت الهدف المعلن. في منطقة الجناح، قتل خمسة أشخاص بينهم شابان سودانيان، ما يبرز هشاشة حياة الفئات الضعيفة في ظل الصراع المستمر.
  • قتل بيار معوض وزوجته وجارته في غارة استهدفت شخصاً آخر في عين سعادة.
  • في الجناح، قتل خمسة أشخاص بينهم شابان سودانيان في غارة جوية.
  • الأشخاص الضحايا كانوا خارج الحسابات العسكرية، ما يبرز هشاشة الحياة اليومية.
من: بيار معوض، زوجته، جارته، محمد أحمد الحاج، علي محمد نور أين: لبنان (عين سعادة، منطقة الجناح، بيروت)

في لبنان، لا تحتاج المآسي إلى مقدمات طويلة.

يكفي أن تتقاطع حياة بسيطة مع لحظة غير محسوبة، حتى تنقلب كل المعادلات.

في عين سعادة، لم تكن العمارة التي استهدفت مجرّد مبنى سكني عادي، إنما كانت مساحة لحياة يومية، تتشكّل بهدوء، بعيداً عن صخب البيانات السياسية.

الغارة لم تكن عشوائية.

كانت ضربة مقصودة، ضمن سياق أمني أكبر، هدفها شخص محدد.

لكن، كما يحدث كثيراً في الحروب، لم تتوقف النتائج عند حدود الهدف.

بيار معوض، المسؤول في حزب القوات اللبنانية، لم يكن هو المقصود بهذه الضربة.

لم يكن اسمه في حساباتها، ولا في بنك أهدافها.

ومع ذلك، أصبح في قلبها.

قتل ومعه زوجته وجارتهما.

ثلاثة أشخاص، لم يكونوا جزءاً من الهدف المعلن، لكنهم أصبحوا ضحاياه.

ما لا تقوله الروايات العسكرية، وما لا تختصره الأخبار السريعة، هو أن هذه الحكاية بدأت بلحظة إنسانية بسيطة.

زيارة معايدة.

جارة دخلت البيت لتقول كلمة طيبة، لتشارك لحظة عادية جداً، لا تحمل أي ثقل، ولا أي دلالة خارج إطارها الإنساني.

لكن في هذا البلد، حتى اللحظات العادية لم تعد محمية.

حين سقط الصاروخ، لم يكن يميّز بين من كان هدفاً ومن كان قريباً من الهدف.

لم ير أن هناك امرأة جاءت لزيارة، ولا أن هناك بيتاً كان يعيش تفاصيله اليومية قبل دقائق.

لم ير سوى نقطة على الخريطة.

وهنا، تتكثّف المأساة.

ليست فقط في أن يقتل إنسان، بل في أن يقتل لأنه كان في المكان نفسه.

لأن حياته تقاطعت، صدفة، مع لحظة قرار لا علاقة له بها.

في الحروب الحديثة، يقال الكثير عن «الدقّة».

تستخدم هذه الكلمة كأنها ضمانة، كأنها وعد بأن الأذى يمكن احتواؤه.

لكن الواقع، في كل مرة، يثبت عكس ذلك.

لأن الخطأ هنا ليس في الإصابة، إنما في المعنى.

حين تستهدف عمارة، ويقال إن الهدف لم يكن هذا الشخص أو ذاك، لا يخفّف ذلك من وطأة الفقد.

إنما يجعل السؤال أكثر إلحاحاً….

ماذا يعني أن تكون حياتك قابلة لأن تمحى، فقط لأنك كنت قريباً من شيء لم تكن جزءاً منه؟في لبنان، هذا السؤال لم يعد نظرياً.

مع كل تصعيد، تتقلّص المسافات بين الهدف والحياة اليومية.

لم يعد هناك خط واضح يفصل بين الاثنين.

فالبلد بأكمله أصبح مساحة رمادية، يمكن أن تتحوّل في أي لحظة إلى نقطة استهداف.

وهذا ما يجعل الخسارة أكثر قسوة.

لأنها لا تكون نتيجة خيار، ولا نتيجة انخراط مباشر، بل نتيجة قرب.

قرب جغرافي، أو اجتماعي، أو حتى صدفة زمنية.

بيار معوض لم يكن هدفاً.

لكن موته لا يقلّ ثقلاً عن أي هدف.

زوجته لم تكن جزءاً من أي حساب.

لكن غيابها يكسر حياة كاملة.

والجارة، لم تكن سوى زائرة.

لكن حضورها في تلك اللحظة كان كافياً ليصبح آخر حضور.

في هذا البلد، تتكرّر هذه الحكايات بطرق مختلفة، لكن الجوهر يبقى واحداً.

الإنسان هو الحلقة الأضعف في كل معادلة لأنه خارج الحسابات.

السياسة تحدّد الأهداف، والحروب تنفّذها.

لكن الحياة، هي التي تدفع الثمن.

وربما، ما يجعل هذه المأساة أكثر إيلاماً، هو بساطتها.

لم يكن هناك مشهد درامي معقّد.

لم يكن هناك سياق استثنائي.

فقط بيت، وزيارة، ولحظة عادية جداً، تحوّلت إلى نهاية.

في لبنان، اعتاد الناس أن يكملوا حياتهم رغم كل شيء.

أن يذهبوا إلى بعضهم، أن يحافظوا على عاداتهم، أن يتمسّكوا بتفاصيلهم الصغيرة كنوع من المقاومة.

لكن في كل مرة يحدث شيء كهذا، يتسلّل الشكّ إلى هذه التفاصيل.

لكن ما يبقى، دائماً، هو الذاكرة.

ألا يتحوّل بيار معوض إلى مجرّد اسم في خبر.

ولا زوجته إلى رقم.

ولا جارتهما إلى تفصيل عابر.

أن تبقى الحكاية كما هي، ثلاثة أشخاص، وثلاث حيوات، وثلاث نهايات لم تكن مقصودة… لكنها حدثت.

وفي بلد يشبه لبنان، يبدو أن ما لا يكون مقصوداً، هو ما يحدث أكثر من غيره.

في بيروت، المدينة التي اعتادت أن تخفي جراحها تحت ضجيجها، يأبى الموت أن يرفع ظلاله عنها.

أحياناً، يمرّ كظلّ عابر، كخبر يقرأ سريعاً بين قهوتين، أو كصورة تبهت في زحمة الأخبار.

لكن خلف كل ظل، هناك حياة كاملة، كانت تمشي على قدميها، تضحك، تنتظر، وتؤمن، ولو قليلاً، أن الغد قد يكون أقل قسوة.

في منطقة الجناح، حيث تتجاور الأبنية كأنها تتكئ على بعضها من شدّة التعب، لم يكن محمد أحمد الحاج وعلي محمد نور سوى شابين يبحثان عن شيء بسيط… عن حياة قابلة للعيش.

سبع سنوات في لبنان لم تكن بالنسبة لهما مجرد إقامة مؤقتة، إنما محاولة جادّة لخلق معنى في مكان لا يشبه البدايات، لكنه قد يمنح فرصة للاستمرار.

تركا السودان، لا حباً بالرحيل، إنما هرباً من واقع يضيق بأهله.

الحرب هناك لم تترك لهم خياراً، كما لم تترك لهم الوقت ليتساءلوا كثيراً.

في مثل هذه اللحظات، يصبح الرحيل فعلاً غريزياً، أشبه بمحاولة إنقاذ ما تبقّى من الذات.

يصل الإنسان إلى بلد جديد وهو يحمل معه خوفاً قديماً، حنيناً ثقيلاً، وأملاً صغيراً، عنيداً.

في بيروت، وجدا ما وجده كثيرون قبلهما…عملاً متعباً، حياةً محدودة، وواقعاً لا يَعِد كثيراً.

ومع ذلك، استقرا.

تعلّما الشوارع، حفظا الوجوه، وصار لهما مكاناً، وإن كان هشّاً، في هذه المدينة.

كانا مثل آلاف العمال الأجانب الذين يمرون في حياة المدن دون أن تلتفت إليهم العيون طويلاً.

وجودهم ضروري، لكن حكاياتهم غالباً ما تبقى على الهامش.

ثم، في لحظة واحدة، تغيّر كل شيء.

الغارة التي استهدفت المنطقة لم تفرّق بين من جاء من بعيد ومن ولد هنا.

الموت، في مثل هذه اللحظات، لا يسأل عن الجنسيات ولا عن الأسباب التي دفعت الناس إلى هذا المكان.

خمسة أشخاص قتلوا، وخمسون جرحوا.

أرقام تضاف إلى أرشيف طويل من الألم.

لكن بين هذه الأرقام، كان هناك اسمان… محمد وعلي.

ربما لم يعرفهما كثيرون، ولم يكتب عنهما قبل هذا الخبر.

لكن هذا لا ينقص شيئاً من ثقل الغياب.

لأن الغياب لا يقاس بعدد من يعرفك، إنما بحجم الحياة التي كنت تحملها داخلك.

أصدقاؤهما الذين شيعوهما لم يتحدثوا بلغة السياسة.

لم يناقشوا خلفيات الصراع ولا توازنات القوى.

كانوا فقط يحاولون أن يفهموا كيف يمكن لحياة نجت من حرب أن تنتهي في حرب أخرى.

كيف يمكن لإنسان أن يهرب من الموت، ليجده ينتظره في مكان ظنّه آمناً، أو على الأقل، أقل خطراً.

هنا، تتكثّف المأساة.

ليست فقط في الموت، بل في تكراره.

في كونه يلاحق نفس الأشخاص، بأسماء مختلفة وأماكن مختلفة، لكن بالقسوة نفسها.

كأن بعض الناس محكومون بأن يعيشوا على هامش الأمان دائماً، وأن يبقوا أقرب إلى الخطر من غيرهم، مهما ابتعدوا.

العمال السودانيون في لبنان ليسوا رقماً صغيراً.

هم جزء من نسيج يومي غير مرئي.

يعملون في الظل، في البناء، في الخدمات، في الأماكن التي لا تذكر كثيراً.

يعيشون في مناطق مكتظة، في ظروف لا تحتمل الكثير من الصدمات.

ومع ذلك، يستمرون لأنهم لا يملكون ترف التوقّف.

ما حدث في الجناح لم يكن حادثة معزولة.

هو انعكاس لعالم يزداد قسوة على الفئات الأكثر هشاشة.

عالم تصبح فيه النجاة مسألة حظ أكثر منها حقّاً.

وحيث يطلب من البعض أن يبدأوا من الصفر مراراً، دون أن يمنحوا الوقت الكافي ليقفوا بثبات.

في مثل هذه القصص، هناك دائماً سؤال مؤلم: ماذا كان يمكن أن يحدث لو؟لو لم يغادرا السودان؟ لو لم تستهدف الغارة تلك المنطقة؟ لو كانا في مكان آخر، في وقت آخر؟ أسئلة لا تغيّر شيئاً، لكنها تكشف هشاشة الواقع الذي نعيش فيه.

واقع يمكن أن ينقلب في لحظة، دون إنذار، ودون عدالة واضحة.

ومع ذلك، يبقى هناك شيء يقاوم هذا العبث: الذاكرة.

أن نكتب عن محمد وعلي، ليس فقط لنحصي خسارة، بل لنمنحها معنى.

أن نقول إنهما لم يكونا مجرد ضحيتين، كان لهما اسم، ووجه، وحياة.

أن نحاول، ولو بالكلمات، أن نعيد لهما جزءاً من الحضور الذي سلب منهما.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك