شهدت أسواق العملة الموازية في ليبيا خلال اليومين الماضيين تحولاً دراماتيكياً، حيث سجلت أسعار صرف العملات الأجنبية في السوق الموازية تراجعاً ملحوظاً بعد أسابيع من التذبذب الحاد.
فبعد تأرجح سعر صرف الدولار فوق الـ9 دنانير من أسبوع واحد، بدأ المسار الهبوطي يفرض نفسه ليتراجع السعر إلى ما دون حاجز الـ8 دنانير، وسط توقعات باستمرار هذا التصحيح في ظل المعطيات الاقتصادية الجديدة.
يرجع محللون هذا التراجع نتيجة حزمة من الإجراءات التي اتخذها مصرف ليبيا المركزي، في محاولة لاستعادة السيطرة على سوق الصرف وكبح جماح المضاربات.
وكان أبرز هذه الإجراءات الإعلان عن التوافق على ميزانية موحدة، وهو تطور بالغ الأهمية في السياق الليبي، إذ يعكس توجهاً نحو ضبط الإنفاق العام والحد من العجز المالي الذي ظل لسنوات أحد أبرز محركات الضغط على سعر الصرف.
إلى جانب ذلك، لعبت سياسة التوسع في ضخ النقد الأجنبي عبر القنوات الرسمية دوراً محورياً في تهدئة السوق.
فقد ساهمت زيادة مخصصات النقد للأغراض الشخصية والتجارية، وتسهيل إجراءات الاعتمادات المستندية، في تقليص الفجوة بين العرض والطلب، والحد من لجوء المواطنين والتجار إلى السوق الموازية.
هذا التحول ساعد أيضاً في تقليص ما يُعرف بـ«الطلب الذعري»، الذي كان يغذي ارتفاع الأسعار بشكل غير مبرر.
وبحسب مصادر مطلعة من المركزي فإن وصول الشحنة الرابعة من العملة الورقية (الدولار) والتي تقدر بمليار دولار مثّل ضربة قاصمة للمضاربين.
تهدف هذه الشحنة إلى تغذيه خزائن المصارف التجارية ومكاتب الصرافة المرخصة، مما يرفع من مستوى العرض النقدي ويقلل الفجوة بين السعر الرسمي والموازي.
لم تكن إجراءات المصرف المركزي لتؤتي ثمارها لولا الدعم القوي من قطاع الطاقة.
فقد أكدت المؤسسة الوطنية للنفط تحويل إيرادات شهر فبراير، التي اقتربت من الملياري دولار، إلى الخزانة العامة بالكامل ودون أي استقطاعات للمرة الأولى منذ سنوات.
ومع استقرار أسعار النفط العالمية فوق مستويات الـ110 دولارات للبرميل، باتت الدولة الليبية تمتلك غطاءً مالياً قوياً يتيح للمصرف المركزي التدخل بفعالية في سوق الصرف، وتلبية الطلب المتزايد على الاعتمادات المستندية والأغراض الشخصية دون استنزاف خطير للاحتياطيات.
تشير التقديرات الفنية للسوق إلى أن استمرار تدفق السيولة النقدية وتوسيع نطاق منظومة حجز العملة الصعبة قد يدفع الدولار نحو مستويات أدنى، ربما تصل إلى 7.
50 أو 7 دنانير على المدى القريب.
ومع ذلك لا يغيب على أي متابع أن هذا التعافي مرتبط بشكل وثيق باستقرار المشهد السياسي وضمان تدفق الصادرات النفطية دون انقطاع.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، يبقى السؤال الأهم: هل هذا التراجع في سعر الدولار يمثل بداية مرحلة استقرار حقيقي، أم أنه مجرد تصحيح مؤقت في سوق شديدة الحساسية؟ الإجابة عن هذا السؤال ترتبط بعدة عوامل، في مقدمتها الاستمرارية.
فاستمرار تدفق الإيرادات النفطية دون انقطاع، والحفاظ على وتيرة ضخ النقد الأجنبي، إضافة إلى الالتزام الفعلي بضبط الإنفاق العام، كلها عناصر حاسمة في تثبيت هذا المسار.
كما أن العامل السياسي لا يقل أهمية عن الاقتصادي.
فالتجربة الليبية خلال السنوات الماضية أثبتت أن أي توتر سياسي أو أمني يمكن أن ينعكس فوراً على الأسواق، ويدفع نحو عودة المضاربات وارتفاع الطلب على العملات الأجنبية.
وبالتالي، فإن استقرار سعر الصرف يظل رهيناً ببيئة سياسية مستقرة نسبياً تضمن استمرارية السياسات الاقتصادية الحالية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك