نفذت مديريات التجارة الداخلية وحماية المستهلك في ريف دمشق واللاذقية وحماة وإدلب، يوم الثلاثاء السابع من نيسان الجاري، جولات رقابية متزامنة، أسفرت عن إغلاق محل لبيع اللحوم وتنظيم عدد من الضبوط التموينية، بعد رصد مخالفات تتعلق بعدم الإعلان عن الأسعار والامتناع عن إصدار الفواتير، إلى جانب التحقق من الشروط الصحية وسلامة المواد الغذائية في الأسواق.
الحدث، رغم اعتياديته في سياق الإجراءات التموينية، يعكس جانباً من أزمة أعمق تعيشها الأسواق السورية، حيث لا يقتصر الخلل على المخالفات الفردية، بل يمتد إلى تفاوتات صارخة في الأسعار بين محافظة وأخرى، ما يطرح تساؤلات جدية حول عدالة السوق، وقدرة الجهات المعنية على ضبطه، في ظل واقع اقتصادي متآكل وضغوط معيشية متصاعدة.
تبدو الأسواق السورية اليوم وكأنها تعمل وفق قواعد غير مكتوبة، حيث تتحكم الجغرافيا، وتكاليف النقل، وتفاوت العرض والطلب، بل وحتى اختلاف العملات المتداولة، في تحديد الأسعار بشكل لافت.
ففي إدلب، حيث التعامل بالليرة التركية إلى الآن، يبلغ سعر كيلو لحم الغنم نحو 700 ليرة تركية (15.
5 دولاراً)، بينما يصل في دمشق إلى 2750 ليرة سورية (22 دولاراً)، وفي حلب إلى 2200 ليرة سورية (17.
6 دولاراً)، ولا تقف الفروقات عند اللحوم، بل تمتد إلى الدواجن والخضراوات والفواكه، ما يعكس اختلالاً واضحاً في منظومة التسعير.
يقول راسم العيسى (33 عاما) والمقيم في دمشق لـ موقع تلفزيون سوريا: " لم يعد بمقدورنا تفسير الأسعار أو التنبؤ بها، كيلو البندورة في دمشق يصل إلى 170 ليرة، بينما هو أقل في إدلب، والمشكلة ليست في الغلاء فقط، بل في غياب منطق واضح يحكم السوق؛ نحن أمام فوضى حقيقية، يدفع ثمنها المستهلك وحده".
في المقابل، تبدو محافظة إدلب أقل سعراً في بعض المواد، مثل الدجاج الذي يبلغ 160 ليرة تركية (3.
5 دولارات)، مقارنة بـ800 ليرة سورية (6.
4 دولارات) في دمشق، لكن هذا لا يعني أن الوضع أفضل، إذ إن القوة الشرائية هناك متدنية أيضاً، ما يجعل الأسعار مرتفعة نسبياً قياساً بالدخل.
وتعكس هذه الفوضى غياب مرجعية سعرية موحدة، حيث تتحول كل محافظة إلى سوق مستقل بذاته، له شروطه الخاصة، ما يفتح الباب أمام استغلال واسع، ويضعف ثقة المستهلك بأي تسعيرة معلنة.
لا تترجم الأرقام وحدها حجم الأزمة، بل تكشفها تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين، الذين باتوا يقيسون مشترياتهم بالغرام لا بالكيلو، في حلب، حيث يبلغ سعر كيلو لحم البقر نحو 1900 ليرة سورية (15 دولاراً).
يقول أحمد بيطار (48 عاماً) لموقع تلفزيون سوريا: " دخلي الأسبوعي لا يكفي لشراء كيلو لحم، لذلك أصبحت أشتري 100 غرام، وأحياناً أستغني عنها تماماً، وحتى الدجاج لم يعد خياراً رخيصاً كما كان، نحن نعيش حالة تقشف قاسية".
وفي دمشق يقول مصطفى العساف (39 عاماً) وهو موظف حكومي، لموقع تلفزيون سوريا: " أصبحنا نحسب كل شيء، حتى الفاكهة التي كانت جزءاً أساسياً من غذائنا، باتت تُشترى بالغرام مرة في الأسبوع، التفاح بـ300 ليرة سورية (2.
4 دولار) لم يعد في متناول الجميع".
ويفسر الناس في المحافظات السورية المختلفة الغلاء بأنه لم يعد مجرد ظاهرة اقتصادية، بل تحول إلى أزمة معيشية خانقة، تمس تفاصيل الحياة اليومية، وتفرض عليهم أنماطاً جديدة من الاستهلاك، تقوم على التقليل والتخلي، أكثر مما تقوم على الاختيار.
ورغم الجهود الرقابية التي تقوم بها مديريات التموين، كما في حادثة إغلاق محل اللحوم في ريف دمشق وعدة مخالفات في باقي المحافظات، إلا أن هذه الإجراءات تبدو محدودة التأثير أمام حجم التحديات.
فالسوق يعاني من اختلالات بنيوية، تتعلق بتعدد مصادر التسعير، وغياب الرقابة الفعالة في بعض المناطق، إضافة إلى تأثير سعر الصرف، وتكاليف النقل، والاحتكار.
ويفسر الخبير الاقتصادي الدكتور نادر الخطيب هذا التفاوت لموقع تلفزيون سوريا: " الاختلاف في الأسعار بين المحافظات لا يرتبط فقط بمصدر السلعة، فالغنم الذي يُباع في دمشق لا يأتي بالضرورة من إدلب، لكن المشكلة الأعمق تكمن في تعدد المرجعيات الاقتصادية".
ويضيف: " هناك أكثر من سعر صرف، وأكثر من نظام تسعير، كما أن ضعف الترابط بين الأسواق المحلية يجعل كل منطقة شبه معزولة اقتصادياً، ما يسمح بتشكل أسعار مختلفة حتى للسلع نفسها".
في المقابل، يرى بعض المستهلكين أن جزءاً من المشكلة يعود إلى استغلال التجار، خاصة في ظل ضعف الرقابة.
وتكشف المقارنة بين المحافظات حجم هذا الاختلال، فبينما يبلغ سعر الباذنجان 50 ليرة تركية (1.
1 دولار) في إدلب، يصل إلى 275 ليرة سورية (2.
2 دولار) في دمشق، أي ضعف السعر تقريباً.
ويعتبر" الخطيب" أن هذه الفروقات لا يمكن تفسيرها فقط بعوامل النقل أو العملة، بل تشير إلى غياب سياسة سعرية متماسكة، تضمن الحد الأدنى من العدالة بين المناطق.
ويضيف: " تبدو الإجراءات الرقابية، رغم أهميتها، كمسكنات مؤقتة لأزمة أعمق تتطلب حلولاً شاملة، فالسوق السورية اليوم ليست مجرد فضاء للتبادل التجاري، بل مرآة لاختلالات اقتصادية واجتماعية متراكمة، تتجلى في تفاوت الأسعار، وتآكل القدرة الشرائية".
تكشف حركة الأسعار في الأسواق السورية عن واقع يومي يعيشه المواطن بين رفوف المتاجر أكثر مما يظهر في الأرقام الرسمية أو الجولات الرقابية.
فالتباين الكبير بين المحافظات لا ينعكس فقط على قوائم الأسعار، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة البسيطة للأسر التي باتت تضطر لإعادة ترتيب أولوياتها الغذائية والاستهلاكية باستمرار.
وبين محاولات الضبط والواقع المتغير للأسواق، يبقى المستهلك أمام معادلة صعبة يحاول التكيف معها يوماً بعد يوم، في انتظار استقرارٍ يخفف من وطأة التقلبات التي أصبحت جزءاً ثابتاً من المشهد المعيشي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك