" سبعة قرون على تدوين تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار لابن بطوطة: تجربة الرحالة وسيرة النص"، هو عنوان معرض تشهده حاليا مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية بالدار البيضاء، وتقيمه احتفاءً بالذكرى السابعة لمئات السنين على تدوين واحدة من أعظم رحلات التاريخ الإنساني.
يتيح المعرض للزوار الاطلاع على الطبعات العالمية للرحلة وترجماتها وما كُتب عنها بلغات البحث المختلفة، مقدماً صورة شاملة لتاريخ نص الرحلة ومساره الثقافي.
ينطلق المعرض من سرد الرحلة التي بدأها ابن بطوطة سنة 1325 م، متجهاً إلى الحج في مكة المكرمة، قبل أن تتوسع مغامراته لتستمر نحو ثلاثين سنة، قطع خلالها حوالي 120 ألف كيلومتر، وشملت رحلاته أكثر من أربعين دولة وفق الحدود الحالية، من شمال أفريقيا إلى جنوب شرقي آسيا، مروراً بجزيرة العرب وبلاد الشام وفارس وشرق أفريقيا وآسيا الصغرى ووسط آسيا والهند وجزر المالديف، قبل أن يعود إلى المغرب ويزور الأندلس وغرب أفريقيا.
يركز المعرض على البعد الإنساني والاجتماعي لرحلة ابن بطوطة، موضحاً كيف سجل الملاحظات والتجارب الشخصية عن الأمم والشعوب، بعيداً عن النقل الحرفي من كتب الآخرين.
ويبرز المعرض كذلك دور السلطان أبو عنان المريني الذي اختار ابن بطوطة لحضور مجالسه، وسجلت الحكايات الشفوية في البلاط ودور الأعيان، قبل أن يكلف الأديب الغرناطي ابن جزي بتدوينها بين سنتي 1355 و1356، فحوّلها إلى نص مكتوب يحمل الألفاظ والمعاني كما رواها الرحالة، مع اختيارات في التلخيص والصياغة أعطت النص حيّزاً عالمياً.
يركز المعرض على البعد الإنساني والاجتماعي لرحلة ابن بطوطةكما يقدم المعرض مراحل إهمال الرحلة ونسيانها جزئياً في الثقافة العربية، إلى أن أعيد اكتشافها في أوقات لاحقة، بدايةً من تلخيص الأديب الحلبي البيلوني في القرن السابع عشر، وصولاً إلى العثور على المخطوطة الكاملة في قسنطينة وطبعها في القرن التاسع عشر، ما أتاح دراسة الرحلة وتحليلها عالمياً.
ويستحضر المعرض الرحلة باعتبارها شهادة على عالم الإسلام المترابط، حيث أظهرت شبكات العلماء والتجار والمتصوفة تواصلاً ثقافياً وروحياً واسع النطاق، مؤكدة قدرة الحضارة الإسلامية على التكيف مع تنوع الثقافات والممارسات الإنسانية عبر أقاليم مترامية، من ساحل الأطلسي في أفريقيا الغربية إلى جنوب شرقي آسيا، في مثال مبكر للعولمة الثقافية.
يقدّم المعرض بذلك تجربة معرفية متكاملة، تتيح اكتشاف رحلة ابن بطوطة ليس كمغامرة جغرافية وكتجربة إنسانية عميقة، تبرز أن التعارف والتفاهم بين البشر يمكن أن يظل رابطاً ثابتاً رغم تباعد المسافات واختلاف الثقافات، وتدعونا قراءة هذا النص إلى تقدير إرث الرحالة وتوسيع أفق الفهم الإنساني عبر الزمن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك