في وقت لم يمضِ فيه سوى يومين على بدء وقف إطلاق نار مؤقت بين النظام الإيراني وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل، ومع تصاعد التكهنات بشأن تركيبة الفريق التفاوضي لطهران للمحادثات المرتقبة في إسلام آباد، أعاد نشر مقطع فيديو لأمير علي حاجي زاده، القائد السابق للقوة الجو-فضائية في الحرس الثوري الإيراني، تسليط الضوء على محمد باقر قالیباف، بعد إشادته بدوره المحوري، وإن كان أقل بروزاً، في تطوير البرنامج الصاروخي للنظام الإيراني.
وفي هذا الفيديو، الذي يعتقد أن مقربين من قالیباف قاموا بنشره رداً على انتقادات صدرت عن بعض الشخصيات القريبة من المؤسسات الأمنية وأعضاء في البرلمان بشأن دوره في وقف إطلاق النار الحالي، يؤكد حاجي زاده: " إن الشخص الذي أسهم في إيصال برنامجنا الصاروخي إلى هذا المستوى من التطور، وبقي اسمه غير معروف حتى اليوم، هو الدكتور قالیباف".
ويضيف أن البنية الحالية لانتشار المنظومات الصاروخية للنظام الإيراني، بما في ذلك إنشاء قواعد متعددة ومدن صاروخية تحت الأرض في مناطق مختلفة، هي نتاج السياسات والدعم اللذين تبلورا خلال فترة وجود قالیباف في الحرس الثوري، وتحت إشرافه على شخصيات مثل حاجي زاده.
وتأتي هذه التصريحات في ظل ظرف سياسي حساس، حيث يعد محمد باقر قالیباف، الرئيس الحالي لمجلس الشورى الإسلامي، واحداً من أبرز الوجوه المتبقية في قمة هرم السلطة في إيران، عقب مقتل علي خامنئي وعدد من كبار القادة العسكريين والأمنيين.
وتشير تقديرات إلى أنه لعب دوراً بارزاً في تعيين مجتبى خامنئي قائداً جديداً للنظام، وهو ما عزز حضوره ليس فقط في المعادلات الداخلية، بل أيضاً في السيناريوهات الدبلوماسية، بما في ذلك احتمال عقد لقاء مع نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس في إسلام آباد.
لفهم دور قالیباف في تطوير البرنامج الصاروخي للنظام الإيراني، لا بد من العودة إلى تسعينيات القرن الماضي، وتحديداً إلى فترة وجوده في الحرس الثوري، حين تولى قيادة القوة الجوية.
وشكلت تلك المرحلة نقطة تحول في العقيدة العسكرية للنظام الإيراني، إذ انتقلت من الاعتماد الحصري على الحروب التقليدية إلى التركيز على تطوير القدرات الصاروخية والحروب غير المتكافئة.
وفي هذا السياق، وضعت القوة الجوية للحرس الثوري، التي تحول اسمها لاحقاً إلى القوة الجو-فضائية، الأسس الرئيسية للبرنامج الصاروخي خلال تلك الفترة.
وكان قالیباف من بين القادة الذين شددوا، من موقعهم القيادي، على ضرورة الاستثمار المكثف في إنتاج الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز، إلى جانب إنشاء بنى تحتية مخفية ومحصنة في مواجهة الهجمات.
كما سعى إلى الاستفادة من تجارب دول مثل باكستان وكوريا الشمالية وروسيا في المجال الصاروخي.
وبحسب الروايات المتداولة، تمثل أحد أبرز التحولات في تلك المرحلة في الانتقال من التركيز على المعدات القابلة للرصد إلى بناء شبكة من القواعد الموزعة وتحت الأرض، وهو ما عرف لاحقاً بالمدن الصاروخية.
في كل مدينة قاعدة صاروخيةأما التصريحات التي نشرت أخيراً على لسان حاجي زاده بشأن وجود قاعدة صاروخية في كل مدينة ومحافظة، فرغم ما قد يبدو عليها من مبالغة، فإنها تتقاطع مع السياسة المعلنة للحرس الثوري خلال السنوات الأخيرة، والتي تقوم على توسيع نطاق المدن الصاروخية تحت الأرض، بهدف تعزيز فرص البقاء والقدرة على الرد السريع في مواجهة الهجمات.
وتتضمن هذه المدن، التي كشف عن صور جوية لبعضها خلال الحرب الأخيرة التي استمرت 40 يوماً بين النظام الإيراني من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، شبكة من الأنفاق العميقة، وصوامع إطلاق، ومستودعات تسليح، وأنظمة قيادة وسيطرة تحت الأرض.
ويرى العديد من المحللين العسكريين أن إنشاء مثل هذه البنية لم يكن ممكناً من دون قرار استراتيجي على أعلى مستويات قيادة الحرس الثوري.
كما يؤكد عدد من القادة الذين عاصروا تلك المرحلة دور قالیباف، بصفته قائداً للقوة الجوية آنذاك، في بلورة هذه العقيدة الدفاعية-الهجومية، التي تقوم على مبادئ التوزيع، والتمويه، والقدرة على توجيه الضربة الثانية.
لم ينقطع محمد باقر قالیباف، بعد خروجه من الحرس الثوري وانتقاله إلى العمل التنفيذي ثم السياسي، عن ملف البرنامج الصاروخي للنظام الإيراني، إذ تظهر تصريحاته في السنوات الأخيرة أنه لا يزال يعد هذا الملف أحد الأعمدة الأساسية لقوة النظام.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)ففي 23 سبتمبر (أيلول) 2025، أشار قالیباف إلى العمليات المعروفة باسم" الوعد الصادق" ضد إسرائيل، موضحاً كيف تمكن النظام الإيراني من معالجة أوجه القصور التقنية في منظوماته الصاروخية، بما في ذلك اختراقات سيبرانية استهدفت المكونات الإلكترونية، فضلاً عن تطوير آليات تحسين التنسيق بين الطائرات المسيرة وصواريخ كروز والباليستية.
كما صرح في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، بصفته رئيساً لمجلس الشورى الإسلامي، بأن القدرة الصاروخية مصدر فخر لنا.
وفي 8 مارس (آذار) من العام نفسه، وبعد اندلاع الحرب الجديدة، رد بشكل ساخر على المزاعم الغربية بشأن تراجع هذه القدرات، مؤكداً أن إطلاق الصواريخ مستمر بقوة ولا يمكن إيقافه.
وتعكس هذه التصريحات اطلاعاً مستمراً على التفاصيل الفنية والعملياتية للبرنامج الصاروخي للحرس الثوري، وهو أمر يعد غير مألوف لمسؤول سياسي في موقع رئاسة البرلمان، لكنه يحمل دلالات واضحة.
ترابط القوة العسكرية والمكانة السياسيةلا يختزل دور قالیباف في تطوير البرنامج الصاروخي للنظام الإيراني في كونه مجرد سجل مهني، بل يشكل جزءاً من رصيده السياسي داخل بنية السلطة.
فبخلاف كثير من السياسيين في هذا النظام، يمتلك جذوراً عميقة في المؤسستين الأمنية والعسكرية، وهو ما أسهم في الحفاظ على موقعه بين قادة الحرس الثوري، رغم الكشف عن عدة قضايا فساد مالي ارتبطت به وبأفراد من عائلته خلال العقود الماضية.
وفي ظل الظروف الراهنة، حيث تعاني بنية السلطة في النظام الإيراني من فراغات ناجمة عن الحرب وإقصاء عدد من الشخصيات المحورية، يبدو أن هذا الإرث يجعل من قالیباف خياراً يمكن التعويل عليه لإدارة الأزمات، سواء داخلياً أو في التعامل مع الفاعلين الخارجيين.
وعلى الرغم من تعرضه مراراً لرفض شعبي في استحقاقات انتخابية مختلفة، فإنه تمكن، ضمن إطار النظام غير الديمقراطي، من إزاحة منافسيه وتعزيز موقعه.
وفي هذا السياق، يمكن فهم التقارير التي تحدثت عن احتمال مشاركته في مفاوضات مستقبلية مع الولايات المتحدة في باكستان.
كما كشف دونالد ترامب، الرئيس الأميركي، الأسبوع الماضي في حديث لصحيفة" نيويورك بوست"، أن إدارته تجري محادثات مع محمد باقر قالیباف.
وخلال السنوات الأخيرة، سعى قالیباف إلى تقديم نفسه بوصفه مديراً عملياً وقابلاً للتفاوض، رغم أن مواقفه المناهضة للغرب وتأكيده المستمر على نهج المقاومة لا تزال تشكل ركناً أساسياً في خطاباته.
هذه الازدواجية، التي تجمع بين خبرة عسكرية في تطوير أحد أكثر البرامج التسليحية حساسية في إيران، وموقعه على رأس السلطة التشريعية، تجعل منه أحد أكثر الفاعلين تعقيداً في المشهد السياسي الإيراني، لا سيما في ظل نجاته من موجة الاستهداف التي طالت عشرات القيادات السياسية والعسكرية منذ اندلاع الحرب الأخيرة.
وفي ظل هدنة هشة بين النظام الإيراني وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل، وارتباط مستقبلها بجولات التفاوض المقبلة، يبرز دور شخصية مثل قالیباف أكثر من أي وقت مضى.
شخصية ينسب إليها، بحسب أحد أبرز قادة الحرس الثوري، دور في بناء قوة باتت اليوم أحد أهم أوراق التفاوض في المعادلات الإقليمية والدولية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك