فيما ترتدى المدن أثواب البهجة، وتضاء البيوت بنور الفرح، وتتعالى ضحكات الأطفال وهم ينتظرون صباح العيد، هناك بعيداً عن كل ذلك الصخب، تنبض ليلة أخرى من نوع مختلف، ليلة لا تعرف الزينة، ولا تعترف بالمظاهر، بل تُكتب تفاصيلها على إيقاع الصمت، وتُنسج خيوطها من نور الصلاة.
فى الأديرة القبطية، حيث تتوارى الدنيا خلف أسوار من السكون، لا يُقاس العيد بعدد الزائرين، ولا بحلوى المائدة، بل بدمعة تخرج من قلب راهب، وبشمعة تضىء عتمة الروح، وبصلاة ترتفع هامسة إلى السماء، هناك لا يحتاج الفرح إلى صوت، لأنه يولد من الداخل.
هادئاً، عميقاً، يشبه الرجاء.
ولا تنفصل هذه الليلة عن جذور ممتدة فى عمق التاريخ، حيث تحمل طقوس العيد فى الدير صدى قرون طويلة من الإيمان المتوارث، لكنها هنا تتجرّد من كل ما هو ظاهر، لتبقى فى صورتها الأولى، علاقة خالصة بين الإنسان وخالقه، فلا كعك يُعد، ولا زيارات تُرتب، ولا ألوان تُزين البيض، بل حضور كامل لسرّ القيامة كما يراه الرهبان، انتصاراً للحياة على الموت، ونوراً يتسلّل إلى القلب فى صمت يشبه المعجزة.
وبينما تنشغل البيوت بطقوس العيد الموروثة، من الكعك إلى الزيارات، يعيش الرهبان العيد كرحلة عبور، لا من يوم إلى آخر، بل من الأرض إلى السماء، من ثقل الحياة إلى خفة القيامة، إنها لحظة انتصار لا تُعلن، وبهجة لا تُرى، لكنها تُعاش بكامل اليقين.
ومن خلال هذا الملف، نفتح باباً على عالم لا يعرفه كثيرون، عالم اختار أن يترك كل شىء، ليحيا كل شىء فى الله، عالم يصنع فيه العيد من الصمت، وتُروى فيه الحكايات بصلوات لا يسمعها إلا من يُنصت للقلب.
ومع انبلاج صباح العيد، لا يغادر هذا الهدوء قلوبهم، بل يمتد فى بساطة تفاصيل يومهم، حيث يجتمعون فى محبة هادئة، يتقاسمون طعاماً بسيطاً وكلمات روحية تفيض دفئاً، فى تقليد ترسّخ عبر السنوات، كأن العيد هنا ليس لحظة عابرة، بل حالة ممتدة من السلام الداخلى، ففى قلب البرية هذا العالم البعيد عن ضجيج المدن، لا يُقاس الفرح بما يُرى، بل بما يُحس، حيث يصبح العيد فى جوهره صلاة، وفى معناه حياة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك