ليس أسهل من أن تعتقل حكومة، أي حكومة، جميع المتسولين في الشوارع وتنقلهم إلى السجون أو مراكز التأهيل، لكنها بذلك لم تحل المشكلة الحقيقية للتسوّل، سواء كانت الفقر وحاجة المتسولين للعيش وسد نفقات الحياة، أو حتى القضاء على عصابات التسوّل التي تستغل الأطفال والنساء وكبار السن باعتبارهم موظفي تسول بأجر يومي أو شهري محدد.
بل يمكن أن تدفع أصحاب الحاجة أو عصابات تشغيل المتسولين إلى ابتكار طرائق جديدة أو تحولهم إلى نشاطات أخرى، أكثر تدميراً للمجتمع والطفولة والاقتصاد من التسول نفسه، ما دان السبب، الجوع أو الجريمة، لم يزل قائماً لم يُعالَج.
كما ليس من الصعوبة بمكان على حكومة، أي حكومة، أن تلاحق أصحاب البسطات على الأرصفة، فتصادر ممتلكاتهم البسيطة وتتلفها، أو توقفهم في مراكز الشرطة، تأديباً، لفترة وجيزة، بيد أنها لن تحل المشكلة وتحسن من مشاهد الشوارع أو تلغي التلوث البصري وتقضي على الاقتصاد غير المنظم أو البيع غير المراقب، بل ربما تفاقم بذلك سوء الأوضاع المعيشية لأسر الباعة بعد توقيف مصدر رزقهم، وتدفعهم لأفعال منها التسول أو الجريمة.
في حين أن تأمين عمل للباعة أو العاطلين، أو تنظيم البيع ولو بتقديم محال صغيرة في أسواق شعبية، حل دائم ومراقب يخدم الاقتصاد ويضبط ربما الأسعار، من مبدأ المنافسة وكسر الأسعار.
ومن السهولة البالغة على حكومة، أي حكومة، إغلاق جميع شركات الصيرفة وملاحقة مكاتب التحويل والإبقاء على سعر الصرف موجه ومصدره المصارف والحكومة فقط إن شئتم، لكنها بذلك لن تضبط سعر الصرف أو تحسّن من قيمة العملة، بقدر ما تقوّضها وتزيد من المشكلة المتمثلة في السوق السوداء وتحوّل مناخها العام، وليس المالي والنقدي فقط، إلى طارد.
في حين لو تستشعر أسباب تراجع سعر الصرف وتعالجها، وإن عبر التدخل المباشر وضخ الدولار لتوازن بين العرض والطلب، فوقتذاك تعالج الجذر ولا تغرق في الأعراض والنتائج لتخفف ألم لحظي وتحوله إلى داء مستعص.
ولكن، وليستوي القول ولا تغلبنا العاطفة بمعالجة تشوهات مجتمعية أو جشع ومخالفات اقتصادية، لا بد من التنظيم والتلويح بسيف القانون، طبعاً بعد تقديم الحكومات والدول المطلوب منها تجاه الشعوب، فحين توفر فرص العمل وتؤمن شروط التعليم المجاني وتكافح الفقر والتضخم، وترى، بعد ذاك، متسولين وباعة جائلين مخالفين، تكون العقوبات واجباً وضرورة والتساهل فيها تكريساً للاختراق والفوضى.
قصارى القول: بدأت فرق التفتيش التابعة لوزارة التجارة التركية، بالتوازي مع توقف الحرب وبهدف استقرار الأسواق ومكافحة التضخم المصطنع، عملية رقابية مكثفة استهدفت سلاسل المتاجر الكبرى والأسواق في كبرى الولايات التركية، في خطوة أولى يمكن أن تعمم بحال جدواها.
ولم تقتصر حملات الفرق على فحص الملصقات السعرية، للمنتجات الاستهلاكية والاحتياجات المنزلية الضرورية، ومقارنتها بفواتير أسعار الشراء من الموردين للمخالفة في حال الفوارق الربحية الكبيرة، بل تعدت مهامها الأسعار المعلنة لملاحقة المشكلة الكامنة في الممارسات الاحتكارية أو تخزين السلع في المستودعات لتعطيش السوق ورفع قيمتها لاحقاً.
وكعادة الحملات، ليس في تركيا فحسب، بل في العالم أجمع، ثمة وعيد وعقوبات رادعة لكل من يخالف القانون، تبدأ من الغرامات وتصل إلى حد إغلاق المحال والمتاجر.
وشعارات عريضة أن هدف الحملات هو" عزيزي المواطن" ومستوى معيشته وعدم استغلاله، ولكن، ضمن برامج الحملات، لا بد لعزيزي المواطن أن يساعدنا ويبلغ عن أي زيادات مشبوهة أو احتكار واستغلال، وهاكم، أعزائي المواطنين، هذه الأرقام الساخنة، وما عليكم سوى الاتصال وارتكوا الباقي لنا وعلينا.
إذا فكرنا علمياً بجدوى حملات أو حلول كهذه، ليس في بتركيا بل في عموم الأسواق والدول مع اختلاف الأنماط الاقتصادية المستخدمة سواء كانت ليبرالية ترى أن الأسواق تصوب نفسها والأسعار تتصحح وتنكسر من جراء المنافسة، أو أنظمة اشتراكية أو" سوق اجتماعية" يمكنها التدخل المباشر بالسوق عبر أذرع وطرق منافسة مباشرة.
فسنرى، من جراء التفكير وعكسه على الواقع، أن تلك الحملات ضرورة وإن غير كافية، فهي تمنع التجار، أو بعضهم، من استغلال الطلب ونقص العرض وتقلبات الصرف لرفع الأسعار بنسب غير مبررة، وسنرى تصحيح التشوهات، وإن خلال الحملة، على الأقل، ما يساهم في تقليل الفجوة بين سعر المنتج من المورد أو المصدر وسعر المستهلك النهائي، ونرى، أو ربما نرى، انعكاساً، بالطمأنة وبنسب متفاوتة على" عزيزي المستهلك"، فشعوره بوجود الدولة وفعاليتها يمنحه جرعة عالية من المواطنة وأن وراءه حكومة وقوانين تحميه من الجشع والمستغلين.
ولكن، ما هو الوجه الآخر لحملات كهذه، خاصة في دول تعلن اقتصاد السوق وفتحه وحرية التجارة وتترك المنافسة تكافح الجشع ورفع الأسعار.
الأرجح أنها ستعالج، وإلى حين وأجل محددين، النتيجة لا السبب، بمعنى أن الرفاق المراقبين لن يسألوا البائع أو المنتج عن أثر التضخم أو ارتفاع تكاليف الإنتاج وأجور العمالة أو الاستيراد والتأمين على السلع لتصل بواقع سلاسل توريد محفوفة بالمخاطر، قبل أن يحاكموه على مسطرة أسعار موضوعة قبل التبدلات والمخاطر واختلال العرض وتراجع الوفرة.
كما، وربما هو الأهم، لا يأخذ الرفاق المراقبون بحسبانهم أن تلك الحملات والرقابة الصارمة والعقوبات الزاجرة يمكن أن تؤدي إلى تراجع العرض واختفاء سلع من المتاجر لتظهر على رفوف خلفية في سوق سوداء، لينقلوا مرض الجشع وغلاء الأسعار إلى داء قطاع هامشي يستنزف الاقتصاد.
نهاية القول: تأتي الرقابة والحملات وملاحقة المتاجر والأسواق، مثالاً على نهج وسياسة وآلية تعاطٍ، لتكون خطوةً اجتماعيةً لخدمة السياسة العامة للبلد، أكثر من كونها حلاً اقتصادياً دائماً ينعكس على المستهلك وتوازن الأسعار ونشاط الأسواق، فإن كانت مجدية على المدى القصير وحلاً أقرب لردة الفعل للتعبير عن وجود الدولة التي لا يمكن أن تبقى متفرجة وعزيزها المواطن يستغل ويتاجر بلقمته، فهي غير مجدية ولا فاعلة ولن تلجم الجشع أو تكسر الأسعار على المدى الطويل والمستمر، ببساطة، لأن الأسعار بالنهاية هي عكس للتضخم والتكاليف ووفرة المنتج وآلية القوانين وتطبيقها، بل ربما بزيادة الرقابة المباشرة والضغط على التجار من دون لحظ التكاليف، وعدم ترك المنافسة تصوّب السوق والأسعار، أن نرى تراجعاً في قطاعات التجزئة وتراجعاً في المعروض السلعي وتغير مهن أو إغلاقات، كما حدث في تركيا بالفعل خلال العامين الأخيرين.
إذاً، النظر بكلتا عيني الحكومة شرط وحاجة وضرورة، سواء للمستهلك أو للتاجر والمستثمر، فكما يقتضي النظر بالعين الأولى إلى إنصاف المستهلك من الجشع والاستغلال والاحتكار عبر الرقابة وتحديث القوانين والتدخل المباشر في السوق إن اقتضى الأمر، لا بد للعين الثانية أن ترى الأسباب وتعالجها ولا تغرق في النتائج والسعر النهائي وتبيع منّة للمستهلك بأنها تدافع عن معيشته، في حين، عملياً، قد يدفع عزيزها المواطن المستهلك الثمن مضاعفاً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك