قاهرة المعز أو القاهرة الإسلامية، هو تاريخ القاهرة في العصور الوسطى، الذي طبع تراثها الغني ووجهها الحضاري منذ تأسيسها في الفترة المبكرة من الإسلام، إذ يتموج رحمها بالمئات من المساجد والمدارس والحمّامات والنوافير والقصور والمقابر والتحصينات، التي يعود تاريخها إلى جميع أنحاء العصر الإسلامي لمصر، حتى بلغ أوجه الذهبي في القرن الرابع عشر للميلاد.
كان ثمة نداء يلح عليّ منذ أن نزلت القاهرة، وأحببتُ أن أشفى منه في بادئ الأمر، هو زيارة مدينتها القديمة المعروفة بـ»قاهرة المعز».
في الطريق إليها، لاح مسجد الإمام الحسين من بعيد وقد بُني بالحجر الأحمر على الطراز الغوطي، وتراءىت مئذنته أسطوانية الشكل كأنها تعرج في ملكوت الله.
كنت أوثر أن تبدأ الزيارة بجامع الأزهر، لكن يظهر أن أبوابه موصدة بسبب أعمال ترميم وصيانة جارية بشكل متواصل.
دلفتُ إلى داخل مسجد الحسين بعد أن خلعت حذائي، فانبهرتُ بسحره الآسر من الداخل؛ إذ اشتمل على خمسة صفوف من العقود المحمولة على أعمدة رخامية، ومحرابه من الخردة الدقيقة التي اتخذت قطعها الصغيرة من القيشاني الـمُلون بدلا من الرخام، وإلى جانبه منبر من الخشب يُجاوره بابان يُؤديان إلى القبة، وثالث يؤدي إلى حجرة أودعت فيها المخلفات النبوية.
اقتربتُ من جمعٍ من الناس يتدافعون بمناكبهم حول الضريح شديد الزخرفة، ويلتقطون صُوَرا من هواتفهم المحمولة، ورأيت بعضهم يحمل صغيره، أو يتكئ على السياج، مسندا منكبيه ومتأثرا بالموقف غاية التأثر.
ولما سمعتُ من مرافقي أن رأس الإمام الحسين مدفونٌ بالضريح، داخلني شعور غامض هو مزيج من الإعجاب بشهيد كربلاء وبسالته، والسخط على منسوب الدم الذي طُليت به جدران التاريخ وخناجره المسمومة.
خرجت من المسجد، وترجلْت وسط محال الصناعة التقليدية التي اكتظت بالناس وقت العصر، إلى شارع المعز لدين الله، الذي بدا أشبه بمتحف مفتوح رُصفتْ أرضيته بالجرانيت الأسود الأسواني، وضم طرزا لجميع الأشكال المعمارية الإسلامية بطول كيلومتر من شارع الأزهر إلى باب الفتوح.
وأبوابه ثلاثة: باب النصر، وباب زويلة ثم باب الفتوح.
كنتُ أسير مشدوها أمام الآثار؛ من مسجد إلى زاوية، ومن سور إلى درب، ومن قصر إلى مدرسة، ومن كتّاب إلى حمام.
فشارع المعز لدين الله يمثل القلب النابض للقاهرة التاريخية، وهو أقدم شارع على الإطلاق في مصر، إذ يزيد عمره على ألف سنة، ويضم بين جنباته ثلاثة وثلاثين أثرا متنوعا.
ما أجل ما حصل في هذا الشارع من تاريخ مُدو، قبل أن تصير وقائعه أثرا بعد عين.
لكن الشارع ما زال يعج بالحركة والحياة وقد اصطفتْ على جانبيه الخدمات الحرفية والتجارية التقليدية الطابع، كما تتفرع منه أهم الحارات والشوارع ذات القيمة الأثرية.
لفت نظري جامع الحاكم بأمر الله بمئذنتيه متوسطتي الطول، والمبنيتين من الحجر عند واجهة بابه الرئيس في حي الجمالية؛ وهو واحدٌ من أربعة جوامع يختصر كل واحد منها قصة حضارة تضرب بجذورها في التاريخ؛ هي: جامع الأزهر الذي لم تُتح لي زيارته، وجامع عمرو بن العاص وجامع أحمد بن طولون.
تخطيْتُ عتبة الجامع، فإذا بي أمام فناء فسيح هو صحنه المكشوف بأرضيته المستطيلة من الرخام، تتوسطه فسقية رخامية جُعلت للوضوء، مُحاطا بأربعة أروقة تنفتح على الصحن ببوائك من العقود.
وهو يتسم بارتفاعات كبيرة لحيطانه وأعمدته بشكل يتناسب وتصميم مجموعات من النوافذ لزيادة التهوية والإضاءة إلى الداخل، وأي سحرٍ كأنْ يساكن النور مهوى الكتابة الكوفية ويبعثها من حضرة تجليها وشهودها في إيوان القبلة.
يمتد تاريخ هذا الجامع إلى عشرة قرون ونيف، غير أنه تعرض للإهمال والتخريب.
وكان الفرنسيون قد جعلوا منه مقرا رئيسيا لحملتهم الاستعمارية، حيث عسكروا فيه واستخدموا مئذنتيه كأبراج لمراقبة الحركة في القاهرة.
ومثل هذا التاريخ يزداد معنى وبهاء في حضرة جامع عمرو بن العاص.
بُني الجامع في عام واحد وعشرين هجرية، وعُد أول مسجد في مصر وافريقيا، على مساحة هائلة تقرب من مئة وأربعين ألف متر، وينتشر فيه العديد من الأعمدة التي يبلغ عددها عدد أيام السنة.
ويروى أن سقفه في البدء كان منخفضا ومُكونا من الجريد والطين، ومحمولا على ساريات من جذوع النخل، وحيطانه من الآجر والطوب، ولم يكن به صحن، فيما أرضه كانت مفروشة بالحصباء، وفيه بئر يعرف بالبستان استخدمه المصلون وقتها للوضوء.
لكن الجامع تعرض لحرائق وانهيارات وإصلاحات، حيث لم يبق من البناء القديم سوى موقعه فقط.
ولا يمكن فصل تاريخه، وتاريخ أي جامع أو أثر، عن السلطة الحاكمة والفترة المعمارية التي شهدها من عصر إلى آخر.
فقد حلت أعمدة الرخام محل جذوع النخيل، وزُينت الجدران وبُنيت المآذن وزِيد في عدد المداخل.
ما إن تدخل الجامع حتى تجد نفسك وسط بهو كبير تتوسطه ميضأة، وتعلوه قبة كبيرة أقيمت على ثمانية أعمدة رخامية مستديرة الشكل.
وتحيط بصحنه التقليدي أربعة أروقة ذات أسقف خشبية أكبرها بالطبع هو رواق القبلة.
وعلى المحراب الرئيس تتراءى لك لوحة كُتبت عليها بماء الذهب أبياتٌ من الشعر.
صليتُ ركعتين، وتوجهت بالدعاء لي ولأهلي.
ولكم شعرتُ بصفاء اللحظة ومهابة الموقف، وأنا أسند ظهري إلى سارية، مُتأملا في حلقات تاج الجوامع ومسترقا السمع لدبيبٍ خفي يأتيني من كوة تجلتْ لي في عنقود ضوء.
يقع الجامع في منطقة يطلق عليها اسم مجمع الأديان، وهي تضم ـ عدا الجامع- معبد بن عزرا اليهودي، الذي ضُربت حوله حراسة أمنية، وعدد من الكنائس أبرزها كنيسة السيدة العذراء، والملقبة بـ»الكنيسة المعلقة».
سميت بهذا الاسم لأنها بنيت على ارتفاع ثلاثة عشر مترا على أنقاض برجين من الأبراج القديمة للحصن الروماني (حصن بابليون).
وهي أقدم الكنائس التي لا تزال باقية في مصر، وتعتبر مزارا مهما للأقباط، ولعموم المصريين بما ينم عن تعايشهم ورفضهم لبذور الطائفية التي تريد أيادي الخبث جر البلاد إليها.
تجاوزنا النافورة، وصعدنا درجات الطابق الأول، ثم سلكنا ممرا مُكْتظا بصور على جانبيه للبطاركة، وأعضاء المجمع المقدس عبر تاريخ الكنيسة القبطية، وأخرى تذكارية تجمع بين باباوات الكنيسة وبعض رؤساء مصر، أو تعرض أخبارا لأهم الحوادث التي مرت بالكنيسة في تاريخها الطويل.
بدت مستطيلة الشكل وصغيرة نسبيا من حيث حجمها، غير أنها احتشدت بمؤثثات بالغة الحسن والبهاء من قبيل الهياكل وتيجان الأعمدة والأخشاب المزخرفة وأيقونات القديسين التي ازدهت بها جدرانها كشاهد على تاريخ الحقبة المسيحية في المنطقة.
داخلتني رهبةٌ، لأني لأول مرة أدخل كنيسة وأرى بعض الرهبان يتجولون داخلها ويمارسون شعائرهم.
لاحظ أسامة ذلك علي، وأخذ يستميلني ويأخذ لي صورا من هاتفه المحمول.
ثم سرعان ما تفتحت نفسي لروحانية المكان الذي تغمره رائحة العطور، وتوقد الشموع في ركن منه؛ تمثل كل شمعة منها صلوات أحد مرتادي الكنيسة أو زائريها.
أشعلتُ شمعة اتقدت في عيني بألوان عجيبة، ودعوت لي ولأهلي وللناس في كل مكان من العالم بالسلام والمحبة.
ترجلتُ خارج الكنيسة، ومشيتُ بضع خطواتٍ في المجمع كأني أمشيها في قطعةٍ من أول الخلق، لا أعرف لِمَ راودتني هذه الأبيات للشيخ محيي الدين بن عربي:لقد صار قلبي قابِلا كل صورةٍفمرعى لغزلانٍ، وديرٌ لِرُهْبانِوبيتٌ لأوثانٍ، وكعبةُ طائفٍوألواحُ توراةٍ، ومصحفُ قرآنِأدينُ بدين الحب أنى تَوجهتْركائبُهُ، فالحب ديني وإيمانيأخذنا سيارة الأجرة، وتوجهتْ بنا إلى منطقة السيدة نفيسة، حيث مسجدها الذي يحمل اسمها.
في الطريق، توقفنا عند مطعم «الجحش» للغداء.
وقعت الكلمة في نفسي بغرابة وأيقظتني من بخور التاريخ والسحر.
يعود المطعم ـ كما روى لي أحد من يخدم الزبائن- إلى ثلاثة عقود ونيف، ويوم فتح أبوابه فوجئ أهالي السيدة زينب باسم «الجحش» الذي أُطْلِق عليه كمحل لبيع الفول والطعمية، ما جعله مثار سخرية للناس في بداية الأمر، قبل أن تطير شهرته في القاهرة كُلها وفي خارجها.
ولما فطن إلى استغرابي زاد أن المعلم ورث الاسم عن جده الذي كان يبيع الفول على عربة يجرها «جحش»، وهو ما تيمن به خيرا حين سمى أول محل اشْتراه باسمه «المبارك».
العم بعزق الذي عمل مع الجحش، وما زال أبناؤه الورثة يرون فيه إرث الوالد وسمت القدوة، يصيح مُتندرا بملء فيه: «اللي مفطرش عند الجحش ميبقاش وحش».
«هات الفول يا جحش»، نادى أسامة بأعلى صوته الهامس، حتى فزع إلينا أحدهم وهو يحمل لذائذ الطعام المصري؛ وأي طعامٍ مثل هذا الذي يروق العين والروح بألوانه المبهجة وروائحه النفاذة، قبل أن يجري سائغا في الحلق، فتتلقفه المعدة على السمع والطاعة.
لا يمكن أن تزور مقام السيدة ولا تزور مطعم الجحش، وإلا فقد اخترم أجر الزيارة!نهضنا على أذان صلاة العصر، وقصدنا مسجد السيدة نفيسة الذي لا يبعد كثيرا؛ إذ يقع في شارع مُوازٍ للمحل.
صلينا وألقينا نظرة سريعة على ممر طويل يصل إلى المقام الشريف، وعبره تتراءى لك لوحات مرسومة وأشعار رائعة في حُب أهل البيت.
وأهل مصر يوقرون هذه السيدة ويتبركون بها، وهي نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب.
وروى لي أسامة أن السيدة نفسية لما نزلت مِصْرا كان الناس يقبلون على دارها ويلتمسون منها العلم والسؤال، وهذه الدار هي محل مسجدها الحالي.
وسُمِعت عنها كرامات.
وقد رسخ في وجدان المصريين أن الله يستجيب الدعاء في مسجدها المشهور، وأنه من أكثر الأماكن راحة للنفوس وشفاء لهموم الصدور.
وهم يحرصون على الزيارة للمقام يوم الأحد ويطلقون عليه يوم الحضرة.
وفي طريقنا إلى مسجد السيدة زينب مررنا بجامع أحمد بن طولون، الذي لم تتغير معالمه الأصلية، فحتى الآن ما زال محتفظا بعناصره الزخرفية والمعمارية رغم مساحته الكبيرة.
بدت مئذنته على طراز مئذنة جامع سامراء، مُربعة من الأسفل، ثم أُسْطوانية، يبلغ ارتفاعها نحو أربعين مترا.
ويتكونُ من صحن أوسط مكشوف، متساوي الأضلاع تقريبا، تتوسطه قبةٌ محمولة على رقبة مثمنة.
وتحيط بالصحن أربعة أروقة يغطيها سقفٌ من الخشب حديث الصنع، عمل على نمط السقف القديم، وأكبرها رواق القبلة.
تتميز جهاته الأربع بالبساطة، إذ ليس فيها من أنواع الزخرف سوى صف من الشبابيك الجصية المفرغة والمتنوعة الأشكال إلى أن تنتهي بشرفات بديعة.
وصلنا إلى مسجد زينب ولم يمكن في الوسع أن ندخل إليه، فقد شوهد مكتظا من الداخل، وعجتْ بوابته بالباعة المتجولين والمتسولين الذي رفعوا عقائرهم بالأنين وطلب الصدقة والدعاء، بل سدوا الطريق باستجداء المارة والإلحاح عليهم في ذلك.
وقد جعلوا من التسول تجارة رابحة، ولطالما قُبض على أحدهم بحوزته آلاف الجنيهات التي ذخرها نَصْبا واحتيالا.
وقد تجد بين هؤلاء من يعرض عليك أخذ البركة من زجاجة عطر بين يديه مقابل أموال رمزية، وتسمعه يقول: «هات البركة».
غير بعيدٍ عن هذا المكان في منطقة الخليفة، أخذتنا الخطوات إلى مسجد الرفاعي الذي يجمع بين الطرازين المملوكي والأوروبي.
بهرتني زخارفه الدقيقة على الحوائط الخارجية وعمدانه العملاقة التي تقع عند البوابة الخارجية، وأثار انتباهي الصلبان المسيحية التي تزين واجهته المهيبة.
وينعت المسجد بأنه مقبرة الملوك والأمراء، ففيه دُفن أفراد من الأسرة العثمانية التي حكمت مصر وافتتنت بفن العمارة، بما فيه قبر الملك فاروق الأول، والخديوي إسماعيل ووالدته خوشيار هانم.
عدا قبر شاه إيران محمد رضا بهلوي الذي هرب إلى مصر عقب اندلاع مظاهرات الثورة الإيرانية عام 1977.
ما إن خرجنا منه وحتى اجهنا مسجد السلطان حسن الذي لا يقل عنه شأنا، ثم تراءت لنا من بعيد قلعة صلاح الدين الأيوبي وسط مجموعة كبيرة من الآثار من سحر الباب العالي الذي صبغ وجه مصر الحضاري في العصر الحديث.
كانت الشمس قد آذنت بالغروب، والشارع أخذ يكتظ بالمارة الذين خرجوا يبحثون عن نسمة هواء عليل بعد يوم قائظ.
رجعنا أدراجنا إلى شارع طلعت حرب، وفي نفسي تعتمل تلك العبر الكثيفة مما رأيته ووقفت عليه من صدى الذكريات الخوالي، ورُبما لخصْتُها في أن الإنسان مهما بنى وأعلى في البناء لا محالة زائل، ومهما كانت سلطته وشأنه: لقد ساوى الموت بين الجميع، وبقي الحجر شاهدا على نهر الغوغائية المتعاظم من جانب، ونهر العبرات الشفيف من جانب آخر أقل همسا واعتبارا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك