بقلم الكاتب / ظافر الشهرانيفي زمن تتسارع فيه الحاجات المجتمعية وتتجدد فيه التحديات، لم يعد العطاء الحقيقي مقصورًا على مسار واحد او اثنين، ولا النجاح حبيس تخصص منفرد، بل أصبح الإنسان النافع هو ذلك الذي يحسن توظيف ما يملك من معرفة وخبرة ومهارة في أكثر من مجال، متى كان ذلك منضبطًا بالإتقان وموجّهًا نحو خدمة الناس وتحقيق المصلحة.
ولا خلاف على أن التخصصية مطلب مهم، بل هي من أسس البناء المهني الرصين، لأنها تمنح العمل عمقه، وتكسب الأداء دقته، وتؤسس للخبرة الحقيقية.
غير أن فهم التخصص فهمًا جامدًا قد يحرم المجتمع من طاقات كبيرة، وقد يضيّق مساحات النفع التي يمكن أن يصنعها الأفراد بما لديهم من ملكات متعددة وتجارب متنوعة.
بل من المؤسف أن هناك من يدعي المهنية والفهم وهو ابعد كل البعد عن ذلك.
وكم من شخص جمع بين الخبرة الإدارية، والقدرة الإعلامية، والحضور الاجتماعي، والمهارة التنظيمية، والمهنية العالية ثم استطاع من خلال هذا التعدد أن يقدّم للمجتمع أثرًا أوسع مما لو حصر نفسه في زاوية واحدة.
وكم من متطوع أو مهني أو حرفي كانت له بصمات مثمرة في أكثر من ميدان، لأنه لم يتكلف ما لا يحسن، وإنما عمل بما يعرف، وأبدع فيما يتقن، وسخّر مواهبه حيث تكون الحاجة، ولم يستغل حاجات الآخرين، بل ان نفع والا ماضر.
إن القيمة الحقيقية ليست في البهرجة الزائفة والحضور المموه، ولا في حبس النفس في زاوية وحدها، بل في صدق العطاء وجودة الإنجاز وحسن توظيف الإمكانات.
فالمجتمع لا ينتظر من الإنسان أن يحمل لقبًا واحدًا او اثنين بقدر ما ينتظر منه أن يكون نافعًا، منتجًا، موثوقًا، قادرًا على تحويل معرفته إلى أثر، وخبرته إلى ثمرة، ومهارته إلى خدمة ملموسة، وفي اكثر من مجال.
والتجارب الناجحة تؤكد أن الانخراط في مهام متعددة، سواء كانت تطوعية أو مهنية أو حرفية، متى بني على الكفاءة والانضباط، فإنه يثمر نتائج عظيمة.
فهو يوسّع مدارك الإنسان، ويزيد من خبرته، ويمنحه قدرة أعلى على فهم الواقع والتعامل مع الناس وابتكار الحلول.
كما أنه يخلق شخصية عملية مرنة، قادرة على الانتقال بين الميدان والفكرة، وبين المبادرة والتنفيذ، وبين التخطيط وخدمة المجتمع.
ومن الخطأ أن يُنظر إلى تعدد الأدوار نظرة تقليل أو تشكيك، ما دام صاحبها يتحرك في إطار المعرفة والإتقان.
فليس كل من تعددت مجالات نفعه متشتتًا، بل قد يكون أكثر وعيًا برسالته، وأدق فهمًا لاحتياجات مجتمعه، وأقدر على الربط بين الخبرات والمهارات في صورة متكاملة تخدم الناس وتسد الثغرات.
إن النفع بما يعرفه الإنسان ويتقنه، وإن تعددت مجالاته، هو من أسمى صور المسؤولية المجتمعية بل مما تدعوا إليه روية 2030 فالنافع وان تعددت مجالاته خيراً وأبقى.
والمعيار ليس كم لقبًا يحمل، بل كم باب خير فتح، وكم حاجة لبّاها، وكم أثرًا ترك، وكم قيمة أضاف.
وحين يجتمع الإخلاص مع المهارة، والتنوع مع الإتقان، والنزاهة مع السمو، تصبح الأعمال المتعددة حقولًا مثمرة، ويغدو العطاء المتنوع قوة بناء لا موضع تردد.
وفي النهاية، فإن المجتمعات الحية لا تنهض بالأسماء المجردة، وإنما تنهض بالطاقات الفاعلة، وبالأشخاص الذين يعرفون ماذا يستطيعون أن يقدموا، ثم يبذلونه بإخلاص وكفاءة.
ومن هنا فإن الانخراط في أكثر من مهمة أو مصلحة تطوعية أو مهنية أو حرفية ليس عيبًا، بل قد يكون بابًا واسعًا من أبواب الإثمار والإنجاز، متى كان قائمًا على المعرفة، ومسنودًا بالإتقان، وموجّهًا نحو النفع العام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك