بعض الأمكنة لها سحر خاص في وجودنا، لدرجة تصير قطعة منا، ونصير جزءا منها، فهي تسكننا ونسكنها، ومن أحبها إلى قلبي مقهى Minof، التي هي، من أروع المقاهي بمدينتي خنيفرة، نصيبي من هذا العالم، فضاء يسكن العقل والقلب والوجدان.
بعض الأمكنة لها روح ومعنى، وأخرى لا تفتح قلبها للجميع.
“مينوف”، بشخوصها وضجيجها اللذيذ، وبأناسها الطيبين حيث إن كل ركن في هذا الفضاء الأسطوري، الجميل جدا ببساطته، يغري بالقراءة ويحفز على الكتابة.
أول ما تطأ قدماك المقهى السوريالي، يستقبلك نوفل الرائع بتحياته المعتادة، تخاله جندي الخفاء، منضبطا بشوشا.
في المقابل، يرحب بك التيجاني الأنيق بابتسامته الجميلة.
هناك، وراء “الكونطوار”، يلوح لك ميمون الحكيم الهادئ بيديه، ضابطا حلاوة “نورمال” على إيقاعات مسناوة التي تبحر بك إلى عوالم الفن الأصيل، بينما رائحة المسمن الذي تسخنه أنامل إبداعية، بصيغة المؤنث، تشتغل في الظل، دون ضجيج، تفتح لك الشهية، شهية البطن قبل العقل، والعرب قديما قالت: “الوصول إلى قلب الرجل يمر عبر معدته”، فهل تصلح وصايا القدامى لزمن مابعد الحداثة؟ زمن الخوارزميات، والأنستغرام والتيكتوك؟وأنت تعدل جلستك على كرسي مريح يليق بالمقام والمقال، تجد قبالتك صور عمالقة الثقافة والفن جاثمة على الحائط، الذي زادته الألوان والأضواء رونقا، كل ركن هنا يتكلم فنا وثقافة وجمالا، كل كرسي له حكاية، كل زاوية لها قصة، شاهدة على حدث، على حلم، على مشروع.
وهذا البهاء يحرضك على البحث عن هذا الاسم: “مينوف”، هل هو صدفة أم اختيار مدروس؟ أنا المسكون بعلم الطوبونيما، وأنا أنغمس في البحث والتقصي في دلالات ورموز، هذا الاسم المثير الجذاب، من سخريات الأقدار أجد أن “مينوف” عائلة أمريكية عريقة في الفن والسينما والتمثيل، هل هو اسم على مسمى أم أصحاب المشروع يقصدون أشياء أخرى؟أتذكر أول يوم ولجت هذه المقهى، كان ذات ليلة رمضانية فائتة، أول ما أبهرني أنا العاشق للتراث والموسيقى والفن والكتب، ذلك الركن المطرز بذوق رفيع، ذلك القنديل الذي يقبع في ذاكرتي الطفولية، وتلك الكومة من ” الكاسيط” التي لها وقع خاص علي، يتوسطها ملك الوتر محمد رويشة، وذاك المذياع العتيق المحفور في اللاوعي.
أتذكر بتلذذ كبير ذلك اليوم الجميل، تلك الحكاية الطازجة، وأنا أنصت بإمعان لمن دلني على المقهى، لم أكن أتوقع أنني سأحب هذا الفضاء بجنون إلى حد الهوس، لأكتشف فضاء يشبه فضاءات لها امتدادات في الذاكرة، وخطرت على بالي مقاهي كازابلانكا التي كنت مدمنا عليها في فترة من حياتي.
قد يرحل أو يغادر الكثيرون دنيا الناس، لكن الأمكنة تبقى لها وشمة في الذاكرة.
في كل يوم تبدو لك “مينوف” في زينتها، كالموناليزا، من كل الزوايا تبدو رائعة ومختلفة.
كعروس في كامل هيبتها، “مينوف” حكاية من حكايا ألف ليلة وليلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك