في الثالث عشر من أبريل/ نيسان من كل عام، يهرع اللبنانيون إلى الذاكرة لتفقّد جراح لم تندمل بعدـ ويبدو أنّها اليوم تحديدًا أكثر حضورًا من أيّ وقت مضى.
يقول التقويم إن الحرب الأهلية بدأت عام 1975 وانتهت رسميًا في 1990، لكن هذا الحصر الزمني يظل قاصرًا عن إدراك الحقيقة، فالحرب في الوجدان اللبناني ليست حدثًا مؤرخًا بين تاريخين.
على النقيض، إذ تحولت مع الوقت إلى" بنية كامنة" تغلغلت في في النفس والجماعة والمؤسسة والمدينة,انتهت الحرب في الوثائق، لكنها بقيت في في" العقيدة السياسية" التي تنظر إلى الدولة كغنيمة أو خصم، وفي هشاشة الثقة البينية، وفي" جغرافيا الخوف" التي ترسم خرائط السكن، وفي اللغة اليومية التي لا تزال تستعير قاموسها من زمن المتاريس، والحواجز، وانتظار الموت المجاني.
بأكثر من 150 ألف قتيل ونحو 17 ألف مفقود ومختفٍ قسرًا، وفق التقديرات الموثقة، خلّفت الحرب إرثًا ثقيلًا من" الفقد المعلق"، وهو إرث لا يمكن عزله عن الحاضر اللبناني المتشظي.
والأدهى من ذلك، أن لبنان خرج من أتون القتال بلا" ذاكرة مشتركة"، فبعد أكثر من ثلاثة عقود، لا يزال البلد يفتقر إلى كتاب تاريخ موحد، لتظل السرديات موزعة بين جدران البيوت، وردهات الأحزاب، وحكايات الطوائفـ، والذكريات الخاصة.
هذا الغياب ليس نقصًا في المعرفة، فهو يعني أنّ أجيالًا لبنانية كبرت وهي تتلقى عن الحرب روايات متجاورة لا تلتقي، ولا تبني سردية وطنية جامعة لما حدث ولماذا حدث.
" ما بقي من الحرب الأهلية اللبنانية".
ملف شامل وتغطية خاصة عبر موقع التلفزيون العربي عن الحرب التي انتهت في التاريخ ولم تنتهِ تمامًا في الحياة، وما بقي منها في السياسة والمدينة والذاكرة والحياة اليومية.
الحرب كحدث انتهى.
وكمنطق لم ينتهِتكمن معضلة لبنان في أنّ حربه الأهلية لم تبقَ ماضيًا يُستذكَر بين الحين والآن.
على العكس، صارت هذه الحرب التي يرفقها اللبنانيون عادةً بشعار" تنذكر تَ ما تنعاد"، منطقًا يعيش داخل الحاضر.
فالذاكرة اللبنانية لا تتعامل مع الحرب بوصفها فصلاً أُغلق، بقدر ما تتعامل معها كشيء يطفو كلما اهتزت السياسة أو اختل الأمن أو ضعفت الدولة.
وتصف منصة" أمم" هذا الإرث بأنه" لغة غير مرئية" للحرب، أي ذلك الأثر الذي ينظم الهوية واللغة والعمارة والذاكرة الجماعية، وينتقل من جيل إلى آخر كفعل وراثي من القلق والتحفز الدائم,لهذا لا تبدو الحرب في لبنان جرحًا تاريخيًأ عابرًا.
هي بنية تفسير جاهزة يستدعيها الوعي الشعبي عند كل منعطف، ويعود إليها الناس كلما شعروا بأن البلد يقترب من الحافة.
ولعلّ ما يفسر استمرار هذا المنطق أن الحرب لم تُعالج سياسيًا أو اجتماعيًا على نحو كامل، وإنما جرى احتواؤها بتسوية أوقفت القتال من دون أن تنتج سردية مشتركة أو عدالة انتقالية مكتملة أو ثقة متبادلة راسخة.
كيف أعادت الحرب تشكيل العلاقة بين المواطن والدولة؟من أعمق ندوب الحرب هي تلك التي أصابت" صورة الدولة" في مخيلة مواطنيها.
فالحرب دمّرت المؤسسات، لكنّ الأخطر من ذلك أنّها أضعفت الفكرة التي يفترض أن تقوم عليها الدولة: أن تكون مرجعية عامة للحماية والحقوق والخدمات.
ومع تآكل المركز، تمددت القوى الطائفية لتملأ الفراغ، ناسجةً شبكات رعاية وخدمات موازية، حتى صار كثير من اللبنانيين يختبرون الدولة بوصفها غائبة أو عاجزة، فيما تبدو الطائفة أو الحزب أو الزعيم أكثر قدرة على التدخل والاستجابة والحماية.
وتشير تحليلات بحثية إلى أن هذا النمط لم يكن عارضًا، إذ تحول بعد الحرب إلى جزء من التسوية السياسية نفسها، حيث استمرت الزعامات الطائفية في أداء أدوار وسيطة بين المواطن والدولة، مع ما يرافق ذلك من زبائنية وخدمات انتقائية وضعف في السلطة المركزية.
وفي هذا المعنى، لم تنتج الحرب مواطنًا أكثر التصاقًا بالدولة، وإنما دفعت كثيرين إلى تعلم قاعدة معاكسة: النجاة لا تأتي من المؤسسة العامة أولًا، بل من شبكة الانتماء القريبة.
ومن هنا يمكن فهم جزء من انعدام الثقة المزمن بالدولة في لبنان، وهي أزمة قد تكون نتيجة تاريخ طويل تعلم فيه الناس أن الدولة قد تتراجع عند الاختبار، وأن البديل غالبًا يوجد في الزعامة أو الجماعة أو الوساطة.
كيف ثبتت الحرب الشكوك المتبادلة بين الجماعات؟في بلد تعددي مثل لبنان، أنتجت الحرب ما يتجاوز الانقسام السياسي.
فقد رسّخت أشكالًا عميقة من الشك المتبادل بين الجماعات.
" الآخر" في المخيال الجماعي طائفيًا ومناطقيًا لم يعد شريكًا مختلفًا فقطـ بل صار في المخيال اللبناني، عند كثيرين، " تهديدًا محتملًا" يمكن أن يعود في أي لحظة إذا اختل التوازن.
لا ينطوي هذا الكلام على مبالغات، فهذا الأثر بات بمثابة" ذاكرة بيولوجية" تُنقل عبر الأجيال في الأحاديث العائلية، وفي تفضيلات السكن، وفي اللغة اليومية التي تستحضر تعبيرات من زمن المتاريس والحواجز مثل" الوضع لا يطمئن" و" شد العصب" و" الشارع مقابل الشارع".
لا تعيش الحرب في الأرشيف وحده، وإنما في الحساسية اليومية من الآخر، وفي سرعة قراءة الأحداث بمنطق الاصطفاف، وفي سهولة استدعاء لغة الانقسام كلما تصاعد التوتر.
وتشير دراسات عن ذاكرة الحرب إلى أن هذه الذكريات استمرت في أشكال صامتة أو هامشية من التذكر، وفي ما تصفه بعض الأدبيات بثقافة ذاكرة مضمرة تواصل تحدي أي سردية رسمية مبسطة.
هذا ما يجعل الحرب حية كـ" منطق اجتماعي" حتى في السلم.
فعندما تغيب رواية وطنية جامعة، وتبقى الذاكرة موزعة بين الجماعات، يظل الماضي حاضرًا كأداة تفسير جاهزة عند كل أزمة: كل جماعة تتذكر بطريقتها، وتنسى بطريقتها، وتورّث خوفها بطريقتها.
آثار الحرب في الحيز العام واللغةتركت الحرب أثرها في السياسة والخدمات، لأن النظام الذي أعقبها لم يلغِ المنطق الطائفي، وإنما أعاد ترتيبه داخل مؤسسات ما بعد الحرب.
وبهذا المعنى، استمرت الزعامات والجماعات في لعب أدوار سياسية وخدماتية ووسيطة، ما أبقى جزءًا من المجال العام محكومًا بعلاقات الولاء والانتماء أكثر من كونه محكومًا بمبدأ المواطنة المتساوية.
وفي الحيز العام أيضًا، بقيت آثار الحرب واضحة، وخصوصًا في بيروت.
فالخط الأخضر اختفى كخط عسكري، غير أن أثره العمراني والنفسي والوظيفي لم يختفِ كليًا، إذ ما تزال المدينة تحمل انقساماتها في استعمال الفضاء، وفي دلالات الأحياء، وفي حساسيات السكن والتنقل والاختلاط.
وفي اللغة اليومية كذلك، بقيت الحرب حيّة.
ليس في المصطلحات العسكرية فقط، وإنما في الاستعارات التي يستخدمها الناس من دون انتباه: " الحاجز"، " المنطقة"، " الشارع"، " السلم الأهلي"، " الوضع لا يطمئن".
حتى اللكنات واللهجات المحلية في أحياء بيروت لا تزال تعكس تحولات ديموغرافية قسرية فرضتها الحرب، مما يؤكد أن الأثر استوطن الحناجر وطرق التفكير.
من المفقودين إلى الخوف الموروثإذا كان غياب السردية المشتركة أحد وجوه الحرب المستمرة، فإن ملف المفقودين والمخفيين قسرًا هو وجه آخر أكثر قسوة، وهو" الجرح المفتوح" الذي يرفض الانغلاق.
صحيح أن القانون 105 الصادر عام 2018 كرس حق العائلات في معرفة مصير المفقودين وأنشأ الهيئة الوطنية المعنية بهذا الملف، غير أن التقدم ظل بطيئًا ومتأثرًا بالأزمات السياسية والاقتصادية وحساسية النبش في المقابر الجماعية وذاكرة الحرب نفسها.
ما دام هذا الملف عالقًا، فإن الحرب تظل" غير مدفونة" بالمعنى الرمزي والفعلي.
وفي مستوى أقل ظهورًا، يورث اللبنانيون الحرب أيضًا كخوف.
ليس دائمًا خوفًا معلنًا، وإنما كاستجابة نفسية واجتماعية: الميل إلى الحذر، إلى تصديق الأسوأ، إلى قراءة التوتر من زاوية الانفجار المحتمل، إلى البحث عن ملاذات صغيرة داخل جماعات أصغر.
ولا تحتاج هذه الوراثة إلى أن يكون الأبناء قد عاشوا الحرب بأنفسهم؛ يكفي أن يعيشوا في لغة مَن عاشها، وفي خرائطهم، وفي ردود فعلهم، وفي صمتهم أيضًا، فتصبح الحرب جزءًا من التربية الاجتماعية غير المعلنة، لا من كتب التاريخ وحدها.
لماذا يعود شبح الحرب اليوم؟لهذا كله، لا تبدو المخاوف من" شبح الحرب الأهلية" في لبنان استعارة صحافية عابرة، وإنما تعبيرًا عن هشاشة بنيوية حقيقية.
ففي الأيام الأخيرة، ومع اتساع رقعة الحرب الإسرئيلية وتزايد الاشتباك حول سلاح حزب الله، ارتفعت التحذيرات من اتساع الانقسام الداخلي، وعاد اللبنانيون إلى منطق" المتراس الذهني".
وفي هذا السياق، نقلت رويترز هذا الشهر أن لبنان يخشى اضطرابًا أهليًا إذا تحول ملف سلاح حزب الله إلى مواجهة داخلية، فيما شدد مسؤولون لبنانيون على أولوية الحفاظ على السلم الأهلي وسط تصاعد الضربات والنزوح والتوترات الطائفية.
غير أن الخوف من عودة الحرب لا يعني تكرار مشهد 1975 بحذافيره، وإنما يعني أن الحرب القديمة لم تُعالج بما يكفي كي لا تعود أشباحها.
فمن دون دولة موثوقة، ومن دون ذاكرة عامة مشتركة، ومن دون عدالة مكتملة، ومن دون تفكيك فعلي لمنطق التبعية الطائفية والخوف المتبادل، يبقى الماضي حاضرًا كاحتمال جاهز.
حرب انتهت في الوثائق.
لا في البنية العميقةبعد أكثر من نصف قرن على اندلاعهاـ تبدو الحرب الأهلية اللبنانية، أقل شبهًا بحدث انتهى، وأكثر شبهًا بطبقة عميقة من تكوين البلد.
فهي حاضرة في ضعف الدولة، وفي سطوة الطائفة، وفي الحذر من الآخر، وفي اللغة، وفي توزيع المدينة، وفي البطء المزمن في إقفال ملفات العدالة والذاكرة.
لم تعد الحرب متراسًا وقصفًا فقط، وإنما صارت أيضًا" فلسفة نجاة" وطريقة في فهم السياسة والمجتمع والنجاة.
وإذا كان السؤال الأساسي الذي تطرحه الذكرى اليوم يتعلق بما بقي من الحرب أهلية اللبنانية، فإنّ الخلاصة الأكثر حضورًا هي أنّ الحرب التي انتهت في التاريخ، لكنها لم تنتهِ في الحياة، وهنا بيت القصيد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك