قبل 50 عامًا، وتحديدًا عام 1976، قدّم المخرج الأميركي مارتن سكورسيزي فيلمه الشهير" تاكسي درايفر"، الذي يُعدّ واحدًا من أكثر الأعمال السينمائية تأثيرًا على المستويات الفنية والنقدية والجماهيرية.
ولم يكن الفيلم مجرد حكاية عن سائق تاكسي في مدينة نيويورك، بل بدا كمرآة لمدينة مأزومة تعيش اضطرابات اجتماعية ونفسية عميقة خلال سبعينيات القرن الماضي.
نصف قرن على" تاكسي درايفر"كتب السيناريو بول شريدر، الذي أشار لاحقًا إلى أنه صاغ العمل خلال فترة من العزلة الشخصية، ما جعل النص أقرب إلى" اعتراف داخلي" على الشاشة، فيما جسّد البطولة روبرت دي نيرو إلى جانب جودي فوستر، ليشكّل الفيلم محطة فارقة في مسيرة أبطاله وصنّاعه على حد سواء.
وبعد مرور نصف قرن، لا يزال الفيلم يعد مرجعًا بصريًا ونفسيًا يعود إليه صناع السينما لفهم العلاقة المعقدة بين الإنسان والمدينة، وكيف يمكن للمدينة أن تُشكّل الإنسان، وفي الوقت ذاته يعيد الإنسان إنتاج مدينته.
نيويورك بين الحلم والكوابيسيطرح الفيلم إشكالية محورية حول العلاقة بين الإنسان والمدينة: من يصنع الآخر؟ وهو سؤال حضر بقوة في أعمال سينمائية تناولت مدينة نيويورك بوصفها رمزًا للتناقض بين الحلم والكوابيس.
ففي فيلم" ميدنايت كاوبوي" عام 1969 للمخرج جون شليسنغر، ظهرت المدينة كفضاء قاسٍ يبدد الأحلام ويعمّق الاغتراب، فيما قدّم فيلم" ذا فرنش كونيكشن" عام 1971 صورة لنيويورك كعاصمة للجريمة والمطاردات.
أما فيلم" ديث ويش" عام 1974 فبرزت فيه المدينة كمسرح للفوضى والعنف والانتقام الفردي.
وتبلغ هذه الرؤية ذروتها في فيلم" تاكسي درايفر"، حيث تتحول نيويورك إلى مرآة لانهيار الفرد والمجتمع.
نيويورك في" تاكسي درايفر"وفي هذا الإطار، يقول الناقد السينمائي شفيق طبارة إن العمل" لم يكن توثيقًا مباشرًا للواقع بقدر ما كان تصويرًا لمزاج المدينة وتناقضاتها الداخلية"، مشيرًا إلى أن الفيلم قدّم نيويورك بطريقتين، نهارًا كمدينة مثقلة بالتحولات السياسية بعد حرب فيتنام وفضائح ووترغيت، وليلاً كفضاء للفوضى والعنف والمخدرات والدعارة.
وأضاف، في حديث لبرنامج ضفاف عبر شاشة" العربي 2" من بيروت، أن سكورسيزي التقط عبر الفيلم صورة لمدينة" تنتج، في ظل أزماتها، شخصيات مضطربة تشبه الوحوش الصغيرة"، معتبرًا أنه أقرب إلى" ذاكرة حضرية" منه إلى عمل وثائقي، على اعتبار أنه يعكس إحساس المدينة أكثر مما يوثقها.
بطل مضاد وولادة من أزمات شخصية وفنيةوفي قراءته لشخصية" ترافيس"، أوضح طبارة أنها لا تنتمي إلى نمط الأبطال التقليديين، بل تمثل" بطلًا مضادًا" يتسم بالعزلة والاضطراب والعنف، ويعيش حالة اغتراب داخل مدينة خانقة، مشيرًا إلى أن الشخصية تبدو" نتاجًا مباشرًا للمدينة".
وتوقف الناقد عند الخلفيات الشخصية لصنّاع الفيلم، موضحًا أن بول شريدر كتب السيناريو خلال فترة عزلة واكتئاب، فيما كان سكورسيزي يمر بظروف صحية ونفسية صعبة، بينما كان روبرت دي نيرو يعيش ضغط مرحلة النجومية بعد نجاحه في" العرّاب"، كما أشار إلى أن مصوّر الفيلم مايكل تشابمان قدّم رؤية بصرية مميزة لنيويورك، ما منحه لاحقًا لقب" شاعر الأرصفة".
وعن الأسلوب الإخراجي، لفت طبارة إلى أن استخدام المطر، والأضواء النيونية، ساهم في بناء حالة نفسية كثيفة، حيث لم يكن المطر عنصر تطهير كما في كثير من الأفلام، بل بدا كأنه يفاقم القذارة والاختناق داخل المدينة.
وفي البعد الفلسفي للفيلم، طرح طبارة إشكالية العلاقة بين الفرد والمدينة، معتبرًا أنها علاقة دائرية، فالمدينة تصنع الإنسان المنهار، والإنسان بدوره يعيد إنتاج مدينته المنهارة عبر العنف والعزلة والاغتراب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك