طرابلس – «القدس العربي»: تشهد الساحة الليبية حراكًا سياسيًا واقتصاديًا متسارعًا، مع تصاعد الدعوات للتوافق الدستوري وإجراء الانتخابات، بالتزامن مع تحذيرات من تفاقم الأزمة المالية واستمرار الانقسام المؤسسي، في وقت تحاول فيه الأطراف المحلية والدولية الدفع نحو توحيد الإنفاق العام وتعزيز الاستقرار، وسط تساؤلات حول قدرة هذه التحركات على كسر الجمود الممتد منذ سنوات.
في هذا السياق، شدّد رئيس المجلس الأعلى للدولة، محمد تكالة، على ضرورة تحقيق توافق دستوري يضمن إجراء الانتخابات، معتبرًا أن هذا المسار يمثل المدخل الأساسي لتلبية تطلعات الليبيين والحفاظ على السيادة الوطنية.
وجاءت تصريحات تكالة خلال لقائه فريق الوساطة السياسية في طرابلس، حيث أكد دعم المجلس لجهود تعزيز الثقة بين الأطراف المختلفة، في محاولة لتقريب وجهات النظر وإنهاء حالة الانقسام السياسي التي تعرقل المسار الانتخابي منذ سنوات.
وأوضح المجلس أن فريق الوساطة، الذي أُعلن عن تأسيسه في يناير الماضي، عرض نتائج اتصالاته مع مختلف القوى الفاعلة، مشيرًا إلى انفتاح المجلس الأعلى للدولة على الحوار والبحث عن حلول توافقية.
ويعمل الفريق، الذي يضم شخصيات سياسية ودبلوماسية، على بلورة مسار وطني يجمع المقترحات المتباينة في إطار شامل يهدف إلى الوصول لصيغة توافقية تمهد لإجراء الانتخابات.
في المقابل، جاءت تحذيرات رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي أكثر حدة، حيث أكد أن ليبيا تقف على حافة «انهيار اقتصادي» نتيجة الانقسام المالي والمؤسسي، مشيرًا إلى أن الدينار الليبي فقد نحو 80% من قوته الشرائية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على مستويات المعيشة، مع تراجع نسبة كبيرة من المواطنين إلى ما دون خط الفقر.
ودعا المنفي إلى توحيد الإيرادات عبر قناة واحدة للمصرف المركزي، محذرًا من المساس بالاحتياطي لتمويل حكومات منقسمة أو مصروفات غير خاضعة للرقابة.
وشدد المنفي على أن الأزمة الحالية تتجاوز كونها مالية، معتبرًا أنها أزمة حكم وشرعية، ومؤكدًا أن الحل لا يكمن في إعادة تدوير الأجسام السياسية أو عقد صفقات جديدة، بل في العودة إلى إرادة الشعب عبر انتخابات تفرز سلطة موحدة قادرة على إدارة الموارد وتحقيق الاستقرار.
وعلى الصعيد الدولي، رحبت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا باتفاق توحيد الإنفاق، معتبرة أنه يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز الانضباط المالي وتحقيق قدر أكبر من الاتساق والمساءلة.
وأشارت البعثة إلى أن الاتفاق يوفر إطارًا موحدًا لإدارة الإنفاق خلال عام 2026، يشمل المرتبات وتسيير أعمال الحكومة ومشروعات التنمية، إلى جانب دعم قطاع النفط وتعزيز إنتاجه.
وأكدت البعثة أن الاتفاق يتيح فرصة لتحسين الحوكمة الاقتصادية وزيادة ثقة المستثمرين، لكنها شددت في الوقت ذاته على ضرورة التزام الأطراف بتنفيذه بشكل فعّال، داعية إلى فرض رقابة صارمة على الإنفاق العام وتوحيد المؤسسات الرقابية لضمان تحقيق نتائج ملموسة تعود بالنفع على المواطنين.
ويأتي هذا الاتفاق في سياق محاولات مستمرة لإنهاء حالة الانقسام المالي التي عانت منها ليبيا لسنوات، حيث أدى وجود أكثر من مركز للإنفاق إلى تضخم المصروفات وغياب الرقابة الفعلية على الإيرادات، خاصة عائدات النفط التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد الليبي.
وكان مجلسا النواب والدولة قد توصلا مؤخرًا إلى توقيع الملحق رقم (1) للاتفاق التنموي الموحد، في خطوة وُصفت بأنها الأولى منذ أكثر من 13 عامًا نحو توحيد السياسة المالية.
ويرى مراقبون أن هذا الاتفاق يمثل محاولة لاحتواء الفوضى المالية التي تفاقمت خلال الفترة الماضية، إلا أن نجاحه يظل مرهونًا بمدى التزام الأطراف بتنفيذه بعيدًا عن التجاذبات السياسية، خاصة في ظل تجارب سابقة لم تُستكمل بسبب الخلافات بين المؤسسات.
وتعكس هذه التطورات تداخل المسارات السياسية والاقتصادية في ليبيا، حيث يرتبط الحديث عن الانتخابات بشكل مباشر بملف إدارة الموارد وتوحيد المؤسسات، ما يجعل أي تقدم في أحد المسارين مرتبطًا بالآخر.
فغياب سلطة موحدة لا يعرقل فقط العملية السياسية، بل ينعكس أيضًا على القدرة على ضبط الإنفاق وتحقيق الاستقرار الاقتصادي.
وبين دعوات التوافق الدستوري والتحذيرات من الانهيار المالي، تبدو ليبيا أمام مرحلة مفصلية تتطلب تحركًا جادًا لتجاوز حالة الجمود، خاصة مع تزايد الضغوط الداخلية والدولية لإنهاء الانقسام والذهاب نحو انتخابات شاملة تعيد تشكيل السلطة وتفتح الباب أمام معالجة أعمق للأزمة الممتدة في البلاد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك