ما أن بدأ العالم التقاط أنفاسه إثر إعلان هدنة أسبوعين في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ظهر رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو الذي لم يمنح خيار قبول أو رفض الهدنة ليكون الاستثناء الوحيد بين قادة العالم الرافض لمنح فرصة للسلام.
إذ لم يفوِّت فرصة تعقيد بارقة الأمل حتى سارعت قواته إلى شن أكبر هجوم على العاصمة بيروت وضواحيها منذ عام 1982 بهدف تقويض الهدنة.
من جهة وسط زخم القراءات التي تحاول استشراف المشهد الإيراني لما بعد انتهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، يبرز التصور عن طبيعة النظام القادم ورجاله الذين سيخلفون الجيل القديم من الزعماء الدينيين والقادة العسكريين.
زعم القضاء على النظام الإيراني الذي يحاول الرئيس ترامب تسويقه عبر مفردات التفاخر والاستعراض التي تستهوى شريحة من الاهتمام الشعبي داخل أمريكا دون حتى مراجعة معايير مصداقيتها.
تحري الدقة عند تحديد ما يحدث لا يتطابق كلياً مع تعبير انهيار النظام بقدر ما يمثل إعادة تشكيل موازين القوى داخل إيران.
أبرز مخاطر المشهد القادم تكمن في كونه أكثر تشدداً، الحرب أفرزت وجوهاً من الجيل الثاني تقود جمهورية ثيوقراطية مع تعزيز نفوذ الحرس الثوري الذي انتقلت إليه السلطة الفعلية على حساب الزعماء الدينيين ما أتاح صعود نخب وقوى أكثر تشدداً، حيث تتركز القوة بيد قوات الحرس الثوري حتى عند اختيار الزعماء الدينيين للمناصب التي خلت باغتيال القائمين عليها.
أما الأذرع الإيرانية التي تبشر أمريكا وإسرائيل بالقضاء عليها، ليس سراً أنها تدار كلياً من قوات الحرس الثوري، ما يجعل إنهاء قدراتها أمراً في غاية التعقيد رغم حقيقة تعرضها لضربات موجعة أدت إلى إضعاف الكثير من القدرات العسكرية لهذه الأذرع.
أولويات تعريف الانتصار والهزيمة في الحروب تضع تصريحات ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو تحت المساءلة، إذ تُطلق تأكيدات الانتصار دون إيضاح للرأي العام الأمريكي أو الإسرائيلي عن طبيعة هذا الانتصار.
على المستوى التكتيكي نجح تفوق الضربات الجوية والقصف الصاروخي في إلحاق أضرار جسيمة بالبنى التحتية وتدمير أهداف العديد من المنشآت الاستراتيجية مع إصابة العديد من الأهداف المدنية كالمدارس والمستشفيات مخلفة أعداداً كبيرة من الضحايا المدنيين.
من جهة أخرى، يقابل التساؤل حول مستوى النجاح الاستراتيجي الذي حققته هذه الحرب إما بالصمت أو المراوغة دون إجابة محددة.
على رأس الإشكاليات التي تشير إلى فشل ترامب ونتنياهو في تحقيق أهدافهما الاستراتيجية وحجم التخبط من جانبهما، خطأ حسابات ترامب في تداعيات ملف الطاقة.
ليس سراً أن خطوة قصف إيران كانت ستؤدي إلى رفع أسعار البترول، ستدفع إيران إلى إغلاق مضيق هرمز، ستؤدي إلى امتداد الاعتداءات العسكرية لتشمل دولاً أخرى في الإقليم.
رغم كل ما كُشف عن تحذيرات مفصلة قُدمت للرئيس الأمريكي حول كل هذه التداعيات، لكن رجل المال ترامب تراجعت دقة حساباته أمام أوهام اقتناص مكاسب سياسية وانقياده إلى تقارير مزيفة نجح اليمين المتطرف الصهيوني عبرها في إقحام الإدارة الأمريكية في حرب غامضة الدوافع، يتبدل الإعلان عن أسبابها مع كل تصريح يطلقه الرئيس الأمريكي.
فلا النظام تغير، ولا قدرات إيران الصاروخية دُمرت بالكامل كما تكرر الإعلان عن ذلك، كما لم تكشف أمريكا وإسرائيل عن أدلة تثبت أن النظام الإيراني كان على وشك امتلاك سلاح نووي.
على صعيد التطورات داخل وزارة الحرب الأمريكية، عكس قرار وزير الحرب إقالة رئيس أركان الجيش بالإضافة إلى مجموعة من كبار قادة الجيش الأمريكي رد فعل سلبي بين كبار الضباط، ووصف التغييرات بأنها تمثل ضربة موجعة.
ما يظهر حجم التنافر بين ما يدور داخل أروقة البيت الأبيض ووزارة الحرب الأمريكية، من جهة أخرى كشف تحذير رئيس الأركان الإسرائيلي الشهر الماضي من أن الجيش قد ينهار على نفسه اعترافاً مباشراً بأن قدرته على الاستمرار في حرب استنزاف طويلة الأمد قد بدأت تتآكل.
وسط كل الترقب الدولي يظل السؤال المطروح هل تصمد الهدنة لتفضي إلى اتفاق نهائي، أم ستكون مجرد مهلة قصيرة الأجل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك