ما الذي يجعل مجتمعاً أكثر قدرة على تجاوز الآلام من غيره؟ ويجعله قادراً على البناء رغم محاولات الهدم؟ !هذا السؤال يقع في صميم ما اشتغل به ابن خلدون حين تأمّل قوانين العمران، وما عبّر عنه الفقهاء حين أسّسوا لمعنى الكفاية الاجتماعية، وما تكشفه اليوم علوم الاجتماع حين تدرس الفارق بين المجتمعات التي تنهض بعد الأزمات وتلك التي تنهار.
الجواب في كل مرة يعود إلى شيء واحد: نسبة ما يُعطيه الأفراد دون مقابل.
العمل التطوعي ليس اختراعاً حديثاً، ولا ظاهرة هامشية تُمارَس في أوقات الفراغ، إنه في الحقيقة صميم ما يعنيه أن يكون الإنسان إنساناً اجتماعياً بالمعنى الكامل، والإسلام لم يتناول هذه الحقيقة بوصفها توجيهاً أخلاقياً مُضافاً، بل أسّس لها بوصفها قانوناً من قوانين العمران وشرطاً من شروط حياة الأمة، حين قال الله تعالى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾، لم يكن ذلك دعوة للتكاتف العاطفي فحسب، بل كان تأسيساً لنظام اجتماعي قائم على الاستجابة الحرة، استجابة لا تنتظر أمراً، ولا تشترط مقابلاً، ولا تتوقف عند حدود الواجب الرسمي.
وحين قال حضرة النبي ﷺ: «مَثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم مَثَلُ الجسدِ الواحد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسدِ بالسَّهَرِ والحُمَّى»، لم يكن يصف حالة مُثلى، بل يكشف عن قانون: الأمة كائن حي، ووحدة القياس فيه ليست الفرد، بل درجة الاستجابة بين الأفراد.
وفي هذا الإطار، يغدو العمل التطوعي تجلياً عملياً لمفهوم الأخوة الإيمانية ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾؛ وهي أخوة ليست مجرد مشاعر، بل تترتب عليها تبعات وجودية: أن تُشعر أخاك بأنه ليس وحده، أن تُخفّف كربته، أن تُيسّر أمره، وقد جاء في الحديث: «مَن كانَ في حاجةِ أخيهِ كانَ اللهُ في حاجتِهِ»، وهذه المعادلة الربانية تُلمح إلى شيء بالغ العمق: أن العطاء لا يُفقر صاحبه بل يرتقي به، ولا يُضعفه بل يُوسّع دائرته الإنسانية.
غير أن ما يُضيفه مشروع «فلسفة المنارات الحضارية» إلى هذه الحقيقة المعروفة، هو إعادة تأطيرها لا بوصفها فضيلة فردية فحسب، بل بوصفها منهج عمران، والفارق بين الأمرين جوهري: الفضيلة الفردية تُمدح ويُستحسن حضورها، أما منهج العمران فهو ما تُقاس به درجة حضارية المجتمع، وما يُحدّد قدرته على الحياة والاستمرار.
ابن خلدون، حين تحدث عن العصبية بوصفها روح العمران، لم يكن يمدح التعصّب القبلي، بل كان يصف قانوناً: المجتمعات تبقى بمقدار ما يشعر أفرادها أنهم معنيّون ببعضهم، وما العمل التطوعي في جوهره إلا العصبية بمعناها الإيجابي الأعمق: الشعور بأن الآخر ينتمي إليّ وأنا منتمٍ إليه، وأن ما يصيبه يعنيني حتى حين لا يُلزمني أحد.
هذا ما يجعل التطوع -في نموذج مجتمع الرباط الذي نُواصل بناء معالمه- لبنة إضافية تُزيّن المشروع، بل البنية الحية التي تجعل لبناته السابقة تنبض وتتحرك، ميثاق العيش المشترك كان العقد الذي يُحدّد طبيعة العلاقة، ومدرسة الفن الإسلامي كانت اللغة التي تُعبّر عن هوية مشتركة، والتداعي المجتمعي كان الوعي الذي يُحرّك الجماعة، أما التطوع فهو الترجمة الفعلية لكل ذلك على أرض الحياة.
ومن هنا يمكن أن يتجسّد هذا المفهوم في مسارات عملية مُقترحة تنبثق من صميم الحاجة الإنسانية لا من قوالب إدارية:المسار الأول، «برنامج ظهر وسند»: حين تُرافق مجموعة من المتطوعين أسرةً تمر بأزمة -ليس بتكليف رسمي بل باستجابة حرة- فإنها لا تُقدّم خدمة فحسب، بل تُعيد إنتاج معنى الانتماء في لحظة هشاشة.
المسار الثاني، «برنامج يلا نبني» لتطوع الأطفال: حيث غرس ثقافة التطوع في الأطفال منذ سنواتهم الأولى، يُحوّل العطاء من سلوك مُكتسب إلى طبيعة راسخة، وهذا هو جوهر التربية الحضارية: ألا نُعلّم الطفل ماذا يفعل فحسب، بل أن نُشكّل من داخله كيف يرى.
والحقيقة التي يكشفها العمل التطوعي أن العطاء ليس تنازلاً عن شيء، بل مسار للارتقاء، الإنسان الذي يُعطي يكتسب معنى لوجوده في الجماعة، ويُقوّي إحساسه بأنه طرف فاعل لا مجرد متلقٍّ سلبي لا يدرك قيمة للحياة، وقد أثبت علم النفس الاجتماعي اليوم ما أقره الوحي من قبل: أن الإنسان يجد سعادته الأعمق، لا في تحصيل ما يريد، بل في الإسهام في ما يتجاوزه «وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ»، ليس في الجمع والادخار، بل في العطاء والبذل.
والمجتمع الذي يرتفع فيه معدل هذا العطاء الحر لا يكون فقط أكثر رحمة، بل يكون أكثر متانة في مواجهة الأزمات، وأكثر قدرة على استيعاب التوترات، وأعمق مناعة ضد أمراض التفكك الداخلي، وهذا بالضبط ما عناه الشرع حين جعل «تفريج الكرب» من الإنسان عن أخيه سبباً لتفريج الله كربته يوم القيامة: ليس مجرد مكافأة أخروية، بل إشارة إلى أن العطاء يُدرج صاحبه في منظومة كونية أوسع.
وبهذا تكتمل لبنات منارة مجتمع الرباط.
غير أن ما يجب أن يترسّخ الآن هو هذا: المجتمع الذي لا يُربّى في أفراده ثقافة العطاء الحر لا يفقد فضيلة فحسب، بل يفقد قانوناً من قوانين بقائه، والتطوع -بهذا المعنى الحضاري- ليس نشاطاً يُمارسه المحسنون في أوقات الفراغ، بل هو ما يجعل المجتمع مجتمعاً حقاً: كائناً حياً يتنفس بأفراده، ويرتقي بما يُعطيه كل واحد منهم دون أن يُطالبه أحد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك