فرانس 24 - "حزب الصراصير" في الهند: من سخرية على الإنترنت إلى حركة احتجاج شبابية قناة الجزيرة مباشر - Networks | Panic in Japan: Bear attacks on the rise يني شفق العربية - فيدان يزور المستشفى التركي في مخيم لاجئي الروهينغيا بكوكس بازار Independent عربية - مجلس الشيوخ يمنح ترمب انتصارا بشأن الهجرة وكالة سبوتنيك - الجيش الإيراني يعلن إجبار مدمرتين أميركيتين على مغادرة بحر عُمان إلى المحيط الهندي قناة الغد - بعد 56 عاما.. مخبأ بيليه السري «كما هو» في المكسيك قناة الجزيرة مباشر - Networks | Goodbye to the traditional airplane shape? This design could change the world of aviat... فرانس 24 - روسيا تعرض قوتها الاقتصادية تحت النار: منتدى سان بطرسبورغ ينطلق رغم التصعيد القدس العربي - دون دولة فلسطينية.. آيزنكوت في خطة الـ 10 نقاط: تصوري لإسرائيل عام 2048 القدس العربي - إيهود باراك رئيس الوزراء الأسبق: نتنياهو يقتل كل فرصة للسلام مع الفلسطينيين وفي لبنان.. حتى مصر عاد يتهمها زوراً
عامة

الضبع الذي رأيناه… عن الخوف والعدالة في سوريا

القدس العربي
القدس العربي منذ 18 ساعة
1

في الموروث الشعبي هناك مثل قديم يقول: «شافوا الضبع وقصّوا بأثره»، وقد يبدو المثل للوهلة الأولى مجرد تعبير عابر عن التغاضي أو التجاهل، لكنه في حقيقته يحمل دلالة أعمق بكثير، إنه يصف حالة اجتماعية وسياسي...

ملخص مرصد
يستعرض النص كيف تحوّلت ثقافة الخوف في سوريا إلى سلوك سياسي عام، حيث يصبح الصمت خياراً عقلانياً وتُستَخدم الجرائم كأداة لإدامة النظام. يوضح المقال أن منظومة «الضباع» تشمل فئات متعددة من المجتمع، من عسكريين إلى قضاة وفنانين، وأن العدالة الانتقالية ضرورية لمنع عودة الاستبداد. ويؤكد أن مواجهة الحقيقة ومحاسبة المسؤولين هي أساس بناء دولة لا تخاف من الحقيقة.
  • الخوف في سوريا تحول إلى ثقافة صمت تُستَخدم لتبرير الجرائم (≤22 كلمة).
  • منظومة الضباع تشمل عسكريين، قضاة، فنانين وإداريين داخل النظام (≤22 كلمة).
  • العدالة الانتقالية تُعد شرطاً أساسياً لمنع عودة الاستبداد (≤22 كلمة).
من: أمجد يوسف أين: سوريا

في الموروث الشعبي هناك مثل قديم يقول: «شافوا الضبع وقصّوا بأثره»، وقد يبدو المثل للوهلة الأولى مجرد تعبير عابر عن التغاضي أو التجاهل، لكنه في حقيقته يحمل دلالة أعمق بكثير، إنه يصف حالة اجتماعية وسياسية تتكرر حين تصبح الحقيقة مرئية للجميع، لكن الاعتراف بها يبدو أكثر كلفة من تجاهلها، عندها لا يغيب الضبع عن الأنظار، بل يغيب الاستعداد لمواجهته.

وفي المجتمعات التقليدية كان لهذا السلوك ما يبرره أحيانا، فقد يختار الناس التغاضي عن بعض الأخطاء حفاظا على السلم الاجتماعي، أو تجنبا للفتنة أو رغبة في منح فرصة للإصلاح.

غير أن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه القاعدة من سلوك اجتماعي محدود إلى ثقافة سياسية عامة، عندها يصبح التغاضي عن الجريمة فضيلة، والصمت حكمة، والخوف أسلوب حياة، وتتحول المجتمعات تدريجيا إلى شريك صامت في استمرار الظلم.

خلال عقود حكم آل الأسد، لم يكن السوريون يجهلون طبيعة النظام الذي يحكمهم.

لم تكن السجون سرا، ولا كانت المخابرات مؤسسة مجهولة، ولا كان الفساد حادثة استثنائية.

الجميع كان يعرف، لكن المعرفة وحدها لا تكفي عندما يصبح ثمن الكلام باهظا إلى هذا الحد، وهكذا نشأت علاقة معقدة بين المجتمع والخوف، علاقة لم تقتصر على الخشية من السلطة، بل امتدت إلى الخوف من مواجهة الحقيقة نفسها.

كان النظام يدرك هذه المعادلة جيدا.

ولذلك لم يعتمد فقط على القوة العسكرية والأجهزة الأمنية، بل اعتمد أيضا على إنتاج ثقافة عامة تجعل الصمت خيارا عقلانيا، فكل من رأى جريمة قيل له: لا تتدخل، وكل من سمع صرخة مظلوم قيل له: احمِ نفسك أولا، وكل من فكر بالاعتراض وجد أمامه آلاف القصص التي تذكره بمصير من سبقوه، ومع مرور الزمن، لم يعد الخوف مجرد رد فعل على القمع، بل أصبح جزءا من تكوين الحياة اليومية، صار المواطن السوري يتعامل مع الدولة بوصفها قوة يجب تجنبها لا مؤسسة يفترض أن تحميه.

وأصبح الطريق إلى السلامة يمر عبر الانسحاب من الشأن العام والابتعاد عن السياسة والقبول بالأمر الواقع مهما بلغت قسوته.

لكن أكثر ما يكشف طبيعة هذه المرحلة ليس الخوف نفسه، بل حجم الجرائم التي ارتكبت تحت مظلته.

في جمهورية الخوف، تشكّلت منظومة الضباع كشبكة مترابطة تجاوزت العسكر، لتضم متدينين بلحى، وإداريين بمؤسسات، ومخبرين مدنيين، وفنانين، وقضاة، ومعلمين.

أمجد يوسف، مرتكب مجزرة التضامن والمتهم بقتل رانيا العباسي وعائلتها، لم يكن سوى ناب واحدٍ في جسد هذه المنظومة التي تستبيح وتقتل كل من يعارض حكم الأسد.

فعندما تذكر أسماء مثل رانيا العباسي وعائلتها، فإننا لا نتحدث عن قصة فردية أو مأساة معزولة.

نحن نتحدث عن نموذج مكثف لوطن كامل عاش تجربة الإخفاء القسري والقتل والتعذيب، عائلة اختفت كما اختفت آلاف العائلات، وأطفال غابوا كما غاب آلاف الأطفال، وأمهات انتظرن أبناءهن سنوات طويلة، من دون أن يحصلن حتى على حق معرفة مصيرهم.

التحدي الحقيقي لا يكمن في إسقاط تمثال أو إزالة صورة أو تغيير شعار، بل في بناء منظومة قانونية وأخلاقية تمنع عودة الاستبداد بأشكال جديدةهذه الجرائم لم تكن مجرد تجاوزات ارتكبها أفراد خارج القانون، بل كانت جزءا من منظومة حكم كاملة، منظومة قامت على تحويل الخوف إلى أداة إدارة، وعلى استخدام العنف باعتباره وسيلة دائمة لضمان البقاء، ولذلك فإن الحديث عن العدالة اليوم لا يرتبط بالرغبة في الانتقام، بل يرتبط بالحاجة إلى استعادة المعنى الأخلاقي لفكرة الدولة نفسها.

المشكلة أن سقوط الأنظمة لا يعني دائما سقوط الثقافة التي أنتجتها، فالكثير من الأدوات البشرية التي خدمت الاستبداد تملك قدرة مذهلة على التكيف مع التحولات السياسية.

هؤلاء لا يدافعون عن فكرة أو عقيدة أو مشروع وطني، بل يدافعون عن مواقعهم ومصالحهم.

وحيثما وجدت السلطة وجدوا طريقهم إليها.

في الحالة السورية برزت هذه الظاهرة بوضوح، فقد شاهد السوريون أشخاصا انتقلوا من موقع إلى آخر ومن راية إلى أخرى، من دون أن يتغير شيء في سلوكهم أو عقليتهم، كانوا جزءا من أجهزة النظام حين كان قويا، ثم أصبحوا جزءا من قوى أخرى عندما تبدلت موازين القوى، تغيرت الشعارات، لكن بقيت العقلية نفسها: عقلية الإفلات من المساءلة والبحث عن الحماية تحت أي سلطة قائمة.

وهنا تكمن خطورة ما يمكن تسميته بـ»الضباع البشرية»، فالضبع لا يصنع الخراب بالضرورة، لكنه يعيش عليه ويستفيد منه ويبحث عنه.

وكذلك هؤلاء الذين اعتادوا العمل داخل الفوضى والفساد والعنف، إنهم لا يهددون مرحلة سياسية بعينها، بل يهددون إمكانية بناء دولة سليمة أصلا.

وعندها يصبح الحديث عن العدالة الانتقالية أكثر من مجرد شعار سياسي، فالعدالة ليست مطلب الضحايا وحدهم، بل هي شرط أساسي لحماية المجتمع كله من إعادة إنتاج الكارثة، ذلك أن الجرائم الكبرى التي لا تخضع للمحاسبة تتحول مع الوقت إلى سوابق قابلة للتكرار، وعندما يرى الناس أن القاتل يستطيع الإفلات من العقاب، فإن الرسالة التي تصل إلى الجميع تكون شديدة الخطورة: الجريمة ممكنة إذا امتلك صاحبها القوة الكافية.

ولذلك فإن أي دعوات لتجاوز الماضي، من دون كشف الحقيقة تبدو أقرب إلى وصفة لتأجيل الأزمة لا لحلها.

فالمجتمعات لا تتعافى بالنسيان القسري، ولا تُبنى الثقة العامة عبر دفن الملفات المؤلمة، بل على العكس، غالبا ما تعود الجراح، التي لم تُعالج لتنفجر في لحظات لاحقة بصورة أكثر عنفا وتعقيدا.

ولا يعني ذلك بالطبع الدعوة إلى الانتقام أو العقاب الجماعي، فالعدالة الحقيقية تقوم على التمييز الدقيق بين المسؤوليات، وعلى محاسبة الأفراد وفق أفعالهم لا وفق انتماءاتهم.

فالدولة الديمقراطية لا يمكن أن تبدأ بظلم جديد، كما أن الضحية لا تتحول إلى منتصر أخلاقي لمجرد امتلاكها القدرة على الثأر.

لكن العدالة تتطلب قبل كل شيء الاعتراف بالحقيقة، الاعتراف بأن ما جرى كان جريمة.

والاعتراف بأن الضحايا كانوا ضحايا فعلا.

والاعتراف بأن السكوت الطويل عن الجريمة كان جزءا من المشكلة، حتى لو كانت لهذا السكوت أسبابه ومبرراته الإنسانية.

لقد خرج السوريون في ثورتهم طلبا للحرية والكرامة قبل أي شيء آخر، ولم يكن جوهر مطالبهم مرتبطا فقط بتغيير السلطة، بل بتغيير العلاقة بين المواطن والدولة، كانوا يريدون دولة يشعر فيها الإنسان بأنه صاحب حق، لا مجرد رقم في ملفات الأجهزة الأمنية.

وكانوا يريدون قضاء يحميهم لا سلطة تخيفهم، وكانوا يريدون مستقبلا لا يُورث فيه الخوف من جيل إلى آخر، كما لو كان جزءا من الهوية الوطنية.

واليوم، بعد كل ما حدث، ما زال هذا الاستحقاق قائما.

فالتحدي الحقيقي لا يكمن في إسقاط تمثال أو إزالة صورة أو تغيير شعار، بل في بناء منظومة قانونية وأخلاقية تمنع عودة الاستبداد بأشكال جديدة.

وهذا لن يتحقق إذا بقيت الجرائم بلا محاسبة، أو إذا جرى الخلط بين الضحية والجلاد، أو إذا أُعيد تدوير الأشخاص أنفسهم داخل مؤسسات جديدة.

فالأمم التي نجحت في الخروج من مراحلها السوداء لم تفعل ذلك عبر إنكار الماضي، بل عبر مواجهته.

واجهته بالحقيقة، وبالقانون، وبالاعتراف، وبالمحاسبة العادلة.

أما الأمم التي اختارت تجاهل جراحها، فقد وجدت نفسها عاجلا أم آجلا أمام الكوابيس ذاتها وهي تعود بأسماء مختلفة.

لهذا فإن سوريا الجديدة لا تحتاج إلى ثقافة «قصّ الأثر»، بل إلى ثقافة رؤية الأثر وملاحقته حتى نهايته القانونية والأخلاقية، تحتاج إلى شجاعة الاعتراف قبل شجاعة العقاب، وتحتاج إلى دولة لا تخاف من الحقيقة لأن شرعيتها تقوم عليها.

أما المستقبل الذي يستحقونه فلا يمكن أن يُبنى على الصمت ذاته الذي سمح للكارثة أن تكبر.

فالعدالة ليست ترفا سياسيا، وليست بندا يمكن تأجيله إلى حين استقرار الأوضاع، بل هي الأساس الذي يمنح أي استقرار معنى وقيمة.

ومن دون ذلك، سنبقى ندور في الحلقة نفسها: نرى الضبع، نقصّ أثره، ثم نفاجأ به يعود من جديد.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك