قناة الغد - احتجاجات في كوريا الجنوبية بسبب نقص أوراق الاقتراع يني شفق العربية - ترامب يتوقع تقدم مفاوضات إيران نهاية الأسبوع Euronews عــربي - فيديو. ألبانيا: رابع يوم من الاضطرابات بسبب منتجع مرتبط بترامب يشعل الاحتجاجات يني شفق العربية - بيان لبناني أمريكي مع الاحتلال الإسرائيلي يعلن عن وقف إطلاق نار مشروط وكالة الأناضول - متحف قيصري.. رحلة عبر 7 آلاف عام من حضارات الأناضول القدس العربي - لوجورنال دو ديمانش: في فرنسا.. تسوية مثيرة لإقامات أبناء مسؤولين جزائريين بينهم ابنا وزير الداخلية وقائد الجيش قناة الشرق للأخبار - واشنطن تعلن اتفاق إسرائيل ولبنان على وقف إطلاق النار.. موجز في آخر وأهم الأنباء قناة التليفزيون العربي - بعد منافسة مع البرتغال والنمسا على تمثيل مجموعة أوروبا الغربية.. ألمانيا تفشل في دخول مجلس الأمن قناة الجزيرة مباشر - مراسل الجزيرة: تراجع الغارات الإسرائيلية ولبنان يتمسك بالانسحاب الكامل والسيادة Euronews عــربي - سبيس إكس تحدد سعر طرحها العام بقيمة 1،75 تريليون دولار قبل إدراج قياسي
عامة

صفحة من كتابي قصة حياتي ومعاناتي

وكالة عمون الإخبارية
2

حفل التكريم لي ولزوجتي من رئاسة جامعة كامبريدج 1982ملم يكن ذلك الجفل والتكريم مجرد مناسبةٍ بروتوكولية عابرة، بل كان لحظةً استثنائية تحمل في طياتها دلالاتٍ عميقة، لم أكن أتوقعها، ولم تخطر ببالي في تل...

ملخص مرصد
حفل تكريم الدكتور أحمد عويدي وزوجته في جامعة كامبريدج عام 1982م لم يكن بروتوكولًا عاديًا، بل تكريمًا استثنائيًا لطلبة الدكتوراه المتميزين. تم وضعهما على رأس طاولة الحفل، وجلس بجوارهما رئيس الجامعة آنذاك، الذي كان نائبًا للرئيس الفخري الأمير تشارلز. كشف مسؤول التشريفات أن هذا التكريم يمنح نادرًا للطلبة الذين ينجزون الدكتوراه في أقل من 3 سنوات، وهو إنجاز لم يحققه سوى 4 أشخاص في تاريخ الجامعة، منهم الدكتور عويدي نفسه.
  • حفل تكريم الدكتور أحمد عويدي وزوجته في جامعة كامبريدج 1982م كان تكريمًا استثنائيًا.
  • تم وضعهما على رأس طاولة الحفل، وجلس بجوارهما رئيس الجامعة آنذاك.
  • كشف مسؤول التشريفات أن هذا التكريم يمنح نادرًا للطلبة المتميزين في الدكتوراه.
من: الدكتور أحمد عويدي وزوجته السيدة جميلة عبدالحليم الطواهية العبادي أين: جامعة كامبريدج، كلية سانت جونز، القاعة الكبرى

حفل التكريم لي ولزوجتي من رئاسة جامعة كامبريدج 1982ملم يكن ذلك الجفل والتكريم مجرد مناسبةٍ بروتوكولية عابرة، بل كان لحظةً استثنائية تحمل في طياتها دلالاتٍ عميقة، لم أكن أتوقعها، ولم تخطر ببالي في تلك المرحلة لكنها كانت من نظام هذه الجامعة.

فبعد إقرار منحي درجة الدكتوراه، وتحديد موعد التخرج، وقبل مراسم التسليم الرسمية، تلقيت دعوةً من الجامعة—أنا وزوجتي—لحضور حفل عشاء في القاعة الكبرى بكلية سانت جونز، وهي الكلية التي أنتمي إليها ضمن جامعة كامبريدج.

ارتديتُ البذلة الرسمية السوداء مع ربطة العنق، التزامًا بتعليمات الدعوة، وكانت زوجتي السيدة جميلة عبدالحليم الطواهية العبادي بحجابها وهيئتها التي تعكس وقارها رغم صغر سنها , وهويتها الإسلامية العربية الاردنية بثقةٍ ووقار، ودخلنا معًا إلى قاعة الاستقبال، التي كانت تعجّ بعمداء الكليات، وأعضاء الهيئة التدريسية، وكبار موظفي الجامعة من رجالٍ ونساء، في مشهدٍ يعكس هيبة المؤسسة وعمق تقاليدها.

وجلسنا ونحن لا ندري ما هي القصة سوى انها دعوة لحفل تقيمه كليتناوبينما نحن في تلك القاعة، سُمِع النداء:“Mr.

and Mrs.

Ahmad Oweidi” السيد أحمد العويدي والسيدة عقيلته.

توقفتُ عند هذا النداء، ليس لغرابته في ذاته، بل لأنه كان موجّهًا لي ولزوجتي تحديدًا، دون سائر الحضور، رغم أن القاعة كانت مليئة بكبار الأكاديميين، ممن هم أقدم مني علمًا وسنًا ومكانة.

لم أفهم في تلك اللحظة سبب هذا التخصيص، خاصة وأنا القادم من بيئةٍ مختلفة، عربيًا ومسلمًا، بين مجتمعٍ أكاديمي غربي عريق.

تقدّم إلينا مسؤول التشريفات بكل أدبٍ إنجليزي رفيع، وانحنى امامنا ثم خاطبنا بصوتٍ منخفض، طالبًا من وزوجتي أن نرافقه، وأن نكون أول الداخلين إلى قاعة الطعام.

سرنا معه، فدخلنا القاعة قبل الجميع، ثم أخذ الحضور يتقاطرون من خلفنا تباعًا، في مشهدٍ بدأ يثير في نفسي وزوجي تساؤلاتٍ متزايدة.

ثم جاءت المفاجأة الأكبر؛ إذ تمّ وضعنا بالجلوس على رأس طاولة الحفل، وعن يميني جلس رئيس الجامعة (نائب الرئيس التنفيذي)، وعلى يسار زوجتي جلست سيدة من الهيئة التدريسية، لا أعرفها.

نظرتُ إلى زوجتي، ونظرت هي إليّ، ولم نجد تفسيرًا لما يحدث، سوى أن ننتظر ما سيُكشف عنه المشهد.

وبعد لحظات، أعلن مسؤول التشريفات عبر مكبر الصوت الداخلي أن هذا العشاء يُقام تكريمًا للدكتور أحمد عويدي والسيدة عقيلته، وعلى شرفهما.

عندها بدأت الصورة تتضح، وبدأت أتلمّس حجم هذا التكريم، الذي لم أكن أعلم عنه شيئًا مسبقًا.

كان رئيس الجامعة آنذاك يُعرف بنائب الرئيس، نظرًا لأن الرئيس الفخري هو ولي العهد البريطاني الأمير تشارلز—الذي أصبح ملكًا عام 2022—وكان هذا الرجل, أي نائب الرئيس يحمل خلفية عسكرية، إذ خدم ضابطًا في مخابرات البحرية البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية.

كما أن المشرف على رسالتي، البروفيسور سارجنت، كان هو الآخر ضابطًا في الاستخبارات البريطانية برتبة نقيب، وخدم في اليمن، حيث أتقن العربية ولهجتها، كما سبق وقلنا , وهو ما يفسّر عمق معرفته بثقافتنا العربية وبخاصة ترتث القبائل العربية.

وخلال العشاء، الذي قُدّم وفق التقاليد الإنجليزية الدقيقة، طبقًا بعد طبق، لم يهدأ فضولي.

فتبادلتُ النظرات مع زوجتي، واتفقنا على ضرورة فهم ما يجري.

أشرتُ إلى مسؤول التشريفات إشارةً خفيفة، فاقترب مني بانحناءةٍ خفيفة، وقال: “نعم سيدي”.

سألته بهدوء: ما سبب هذا التكريم؟ ولماذا نحن تحديدًا؟فأجابني بكلماتٍ لا أنساها: إن هذا التكريم يُمنح للطلبة الذين يحققون تميزًا استثنائيًا في الدكتوراه، وهو من أعلى أشكال التكريم في الجامعة، ولم يُمنح إلا نادرًا جدًا عبر تاريخها الممتد لأكثر من خمسة قرون.

وأضاف أنني الشخص الرابع في تاريخ جامعة كامبريدج عبر هذه القرون الذي حصل على درجة الدكتوراه في مدة تقل عن ثلاث سنوات.

ثم ذكر لي أسماء من سبقوني في هذا الإنجاز، ومن بينهم الرحالة تريسترام، الذي كتب عن الأردن في كتابه “The Land of Moab” عام 1872، وهو الكتاب الذي قمتُ لاحقًا بترجمته إلى العربية.

في تلك اللحظة، لم يكن الشعور مجرد فخر، بل كان شكرا لله سبحانه , ثم مزيجًا من الامتنان والدهشة؛ إذ وجدت نفسي، القادم من بيئة بسيطة، أقف في موقعٍ لم أسعَ إليه بقدر ما سعيت إلى أداء ما عليّ، فإذا به يفتح أمامي هذا الأفق.

وهكذا، لم يكن ذلك الحفل تكريمًا لشخصي فحسب، بل كان تكريمًا لمسارٍ كامل من الجهد، ولرحلةٍ لم تكن سهلة في أيٍّ من مراحلها، وكان في الوقت ذاته رسالةً عميقة بأن الإخلاص في العمل، مهما كانت بداياته متواضعة، يمكن أن يبلغ بصاحبه مكانًا لم يكن يتوقعه، والحمد لله رب العالمين.

وبعد أن انتهت مراسم الحفل، تقدّمتُ إلى نائب رئيس الجامعة، فشكرته على هذا التكريم الذي لم أكن أتوقعه، فقال لي بهدوءٍ إنجليزيٍ رصين: «نراك في حفل تسليم الشهادات».

فقلت: «بعون الله تعالى».

كانت عبارةً قصيرة، لكنها تحمل في طيّاتها انتقالًا من لحظة الاعتراف إلى لحظة التتويج.

ثم حدث ما زاد من عمق المشهد في نفسي؛ إذ وقف الحضور من عمداء الكليات، وأعضاء الهيئة التدريسية، وكبار موظفي الجامعة في صفٍّ منظم خارج الطاولة، يمرّ الواحد تلو الآخر تباعا , لتحيتي ومصافحتي.

صافحتهم فردًا فردًا، وأنا أستشعر أن ما يحدث ليس مجرد إجراءٍ بروتوكولي، بل تعبيرٌ عن ثقافةٍ مؤسسية تعرف كيف تعترف بالجهد والابداع، وتُنزله منزلته، دون تحفّظ أو تردّد.

كان الاحترام في تلك اللحظة متبادلاً؛ هم يقدّرون ما تحقق، وأنا أقدّر هذا التقدير.

وعندما غادرنا القاعة، وقد انفضّ ذلك المشهد الذي سيبقى عالقًا في الذاكرة ما حييت، التفتت إليّ زوجتي بسؤالٍ خرج من عمق التجربة لا من ظاهرها: «هل سنجد مثل هذا التكريم في بلدنا؟ ».

توقفت لحظة، لا لأن الجواب صعب، بل لأن صدقه يحتاج إلى قدرٍ من الصراحة التي لا تُقال دائمًا بسهولة.

فقلت لها—بهدوءٍ تشكّل من الخبرة والتجربة—إن الأمر ليس بهذه البساطة؛ فلو كان اللواء الركن غازي عربيات على قيد الحياة، لكان لهذا الإنجاز موقعه الذي يستحق، ولرأي فيه ثمرةً من ثمرات نظرته العميقة في تقييم الرجال، إذ كان ممن يُحسنون قراءة الطاقات، ويضعونها في مواضعها، ويُدركون أن الاستثمار الحقيقي هو في الإنسان القادر على البناء.

لكنّ الزمن لا يُبقي كل من يستحق أن يشهد، وهنا يتجلّى المعنى العميق لذلك المثل العربي: «حالَ الجَريضُ دونَ القَريضِ»؛ أي إن الغصّة حالت دون تمام القول، أو إن المراد قد يتحقق بعد أن يفوت أوانه، أو يفقد أثره في موضعه.

وأمام هذا الغياب، يبقى الواقع محكومًا بمعادلاتٍ أخرى، حيث توجد—ولا أنكر ذلك—نزعات تضيق بالتميّز بدل أن تحتضنه، وتتحسّس من الإبداع لا لأنه خطأ، بل لأنه يكشف حدود العجز لدى من لا يملكون القدرة على بلوغه.

وهذه ليست قضية أشخاص بقدر ما هي انعكاس لثقافةٍ لم يكتمل نضجها المؤسسي بعد؛ ثقافةٍ لم تُرسِّخ بعدُ أن الاعتراف بالإنجاز ليس منّة، بل ضرورة لبناء مجتمعٍ صحي، يُكافئ العمل، ويشجّع العطاء، ويصنع قدوةً للأجيالإن الخطر الحقيقي لا يكمن في غياب التكريم بحد ذاته، بل في غياب الفهم الذي يقف وراءه؛ فحين يُهمَّش الإنجاز، أو يُقابَل بالتحفّظ أو التوجّس، فإن ذلك لا ينتقص من صاحبه بقدر ما يُضعف البيئة التي يُفترض أن تحتضنه.

فالأوطان لا تنهض إلا بأبنائها المبدعين، ولا تضعف إلا حين تُقصيهم أو تُضيّق عليهم، لأن في ذلك إهدارًا لطاقاتٍ كان يمكن أن تكون رافعةً لها.

ومع ذلك، لم يكن هذا الإدراك باعثًا على القطيعة أو اليأس، بل على مزيدٍ من الوعي؛ وعيٍ بأن المسؤولية لا تقتصر على الإنجاز الفردي، بل تمتد إلى محاولة نقل هذا الفهم، وترسيخ هذه القيم حيثما أمكن.

فالتكريم الحقيقي لا يكون فقط في قاعةٍ فخمة، بل في بناء بيئةٍ تُنصف الجهد، وتحترم العلم، وتفتح الطريق أمام من يسعى بصدق.

ومن هنا، لم أكن أطلب تكريمًا لذاته، بل كنت أبحث عن معنى العدالة في تقدير العمل، وعن ثقافةٍ ترى في النجاح إضافةً لها لا تهديدًا.

فإن تحقّق ذلك فبها ونعمت، وإن لم يتحقّق، فإن العزاء يبقى في أن ما قُدّم من جهد لم يضع، وأن الله سبحانه لا يُضيع أجر من أحسن عملًا.

وفي تلك اللحظة، أدركتُ إدراكًا يتجاوز حدود الحدث نفسه، أن الفارق الحقيقي بين المجتمعات لا يُقاس بالأفراد بقدر ما يُقاس بالمنظومات التي تُديرهم؛ فالمؤسسة التي تُقيم للعلم وزنًا، وتحتكم إلى معاييره، لا تجد حرجًا في أن تُكرّم المتميّز، ولا تحتاج إلى تبريرٍ لإنصافه، لأنها تتحرك ضمن إطارٍ واضح يجعل من الاعتراف بالإنجاز جزءًا من رسالتها لا استثناءً فيها.

أما حين تغيب هذه المعايير، أو تختلط بمعادلاتٍ ضيقة، فإن التميّز قد يُساء فهمه، أو يُستقبل بتحفّظٍ غير مبرر، لا لخللٍ فيه، بل لخللٍ في البيئة التي لم تتعلّم بعد كيف تتعامل معه.

غير أن هذا الوعي لم يكن باعثًا على الإحباط أو الانكفاء، بل كان دافعًا عميقًا لأن أحمل معي ما تعلّمته هناك، لا بوصفه تجربة شخصية تنتهي بانتهائها، بل بوصفه منهجًا يمكن أن يُزرع حيثما أمكن، وأن يُعاد إنتاجه في سياقاتٍ مختلفة، ولو بقدرٍ محدود.

فقد أدركت أن تغيير الواقع لا يبدأ بالشكوى منه، بل بمحاولة إدخال قيمٍ جديدة إليه، تُعيد ترتيب العلاقة بين الجهد والتقدير، وبين العمل والاعتراف.

ومن هنا، لم يكن اعتزازي بجامعة كامبريدج لأنها منحتني شهادةً علمية فحسب، بل لأنها قدّمت لي نموذجًا حيًا في كيف تُدار المعرفة داخل مؤسسةٍ تحترم ذاتها، وكيف يُصان العلم من العبث، وكيف يُكرَّم الجهد دون تردّد أو حساباتٍ جانبية.

إنها مؤسسة تمتد جذورها لقرون، لكنها لم تعش على تاريخها فقط، بل حافظت على روحها التي تجعل من العلم قيمةً عليا، ومن الإنصاف قاعدةً ثابتة.

وقد شعرت في تلك اللحظة أن ما بذلتُه (شخصيا) من جهد لم يذهب هباءً، وأن الطريق—على ما فيه من مشقة—كان يسير نحو غايةٍ واضحة، تُترجم العمل إلى تقدير، والتعب إلى اعتراف.

ومع ذلك، فإن هذا الاعتزاز لم يكن يومًا انفصالًا عن هويتي، ولا ذوبانًا في تجربةٍ أخرى، بل كان على العكس تأكيدًا لها؛ إذ إن ما تعلّمته هناك لم يكن ليبقى حبيس جدران تلك الجامعة، بل ليعود معي، رؤيةً ومنهجًا، إلى أرضي ومجتمعي.

فالتجارب الكبرى لا تُقاس بما تمنحه في لحظتها فقط، بل بما تتركه من أثرٍ ممتد، يتجلى في السلوك، وفي طريقة التفكير، وفي القدرة على إعادة قراءة الواقع بعينٍ أكثر وعيًا واتزانًا.

وهكذا، خرجتُ من ذلك الحفل لا أحمل ذكرى تكريمٍ عابرة، بل أحمل درسًا تأسيسيًا عميقًا، تبلور في وجداني قبل أن يُصاغ في كلماتي: أن الاعتراف بالإنجاز ليس ترفًا يُمنح، ولا مجاملةً عابرة، بل هو ركيزة تُبنى عليها المجتمعات الحيّة، ومعيارٌ تُقاس به سلامةُ بنيتها القيمية.

وأن إنصاف العلم هو في جوهره إنصافٌ للإنسان، وإنصافٌ للمستقبل، بل وإنصافٌ للشعوب والأوطان والدول؛ لأن الأمة التي تُنصف علمها وعلماءها، انما تُنصف ذاتها، وتُحسن توجيه طاقاتها، وتضع كل شيءٍ في موضعه الصحيح.

وفي المقابل، فإن إغفال هذا المعنى، أو التقليل من شأنه، لا يُلحق الضرر بالفرد بقدر ما ينعكس على الكيان كله؛ إذ تُهدر الطاقات، وتُطفأ جذوة العطاء، وتضيع فرص البناء الحقيقي.

ومن هنا، فإن التكريم لم يعد في نظري مجرد لحظة احتفاء، بل أصبح مؤشرًا حضاريًا، يكشف عن عمق الوعي، ودرجة النضج، وطبيعة العلاقة بين المجتمع وقيمه العليا.

ومن هذا الفهم، ترسّخ لدي يقينٌ لا يتزعزع: أن الطريق—مهما اختلفت بيئاته، وتباينت ظروفه—يبقى مفتوحًا لمن عرف غايته، وتمسّك بها، وسار إليها بثبات، لا يلتفت إلى العوائق بقدر ما يُحسن تجاوزها، مستعينًا بالله سبحانه، الذي لا يُضيع أجر من أحسن عملًا.

وهكذا، لم أخرج من تلك اللحظة بما يُرى، بل بما يُبنى؛ لم أخرج بذكرى تُروى، بل بيقينٍ يُرافقني: أن التكريم الحقيقي ليس فيما يُمنح للإنسان في لحظةٍ من الزمن، بل فيما يبقى معه بعد ذلك من طمأنينةٍ إلى أن طريقه كان صحيحًا، وأن ما بناه بصدقٍ، سيظل قائمًا، لا تهزّه تغيّرات البيئات، ولا تُبدّله اختلافات المواقف.

فالحمد لله رب العالمين، الذي جعل من تلك اللحظة تتويجًا لمرحلة، وبدايةً لوعيٍ أعمق، ورؤيةٍ أبعد.

ولعلّ ما استقرّ في نفسي بعد تلك التجربة، أن التكريم في حقيقته ليس غايةً يُسعى إليها، بل نتيجةٌ طبيعية لمسارٍ صادق؛ وأن القيمة الحقيقية لا تكمن في لحظة الاعتراف ذاتها، بل في القدرة على أن يبقى الإنسان وفيًّا لما أوصله إليها.

فكم من تكريمٍ يبهت أثره مع الزمن، وكم من عملٍ صادقٍ يظلّ ممتدًا، يُثمر في ميادين أخرى، ويُعيد إنتاج ذاته في صورٍ جديدة.

وقد أدركت أن أعظم ما يمكن أن يخرج به الإنسان من تجربةٍ كهذه، ليس الشعور بالتميّز، بل تحمّل مسؤوليته؛ مسؤولية أن يكون هذا التميّز إضافةً لا عبئًا، وبناءً لا ادعاءً، وأن يتحوّل إلى طاقةٍ تدفعه نحو مزيدٍ من العطاء، لا إلى محطةٍ يتوقف عندها.

فالتجارب الكبرى لا تُختتم بالتكريم، بل تبدأ منه مرحلةٌ جديدة، يُختبر فيها صدق الإنسان مع ما تعلّمه، ومع ما يؤمن به.

ومن هنا، لم يكن ما حدث نهاية طريق، بل كان بداية وعيٍ مختلف؛ وعيٍ يُدرك أن العلم رسالة، وأن الاعتراف به أمانة، وأن الطريق الذي فُتح بتوفيق الله لا ينبغي أن يُغلق عند أول إنجاز، بل يُستكمل بمزيدٍ من العمل، في خدمة المجتمع، وترسيخ القيم التي تعلّمتها، والدفاع عنها بالفعل قبل القول.

وهكذا، بقيت تلك اللحظة في ذاكرتي، لا بوصفها ذروةً انتهى عندها الجهد، بل بوصفها نقطة انطلاقٍ لمرحلةٍ أكثر عمقًا، وأكثر التزامًا، وأشد ارتباطًا بالمعنى الذي حملته منذ البداية: أن الإنسان لا يُقاس بما وصل إليه، بل بما يفعله بعد أن يصل.

وهكذا، لم تكن سنوات كامبريدج مجرد مرحلة دراسية في مسار حياتي، بل كانت تجربةً تأسيسية أعادت تشكيل نظرتي إلى العلم، وإلى الإنسان، وإلى العالم من حولي.

هناك، لم أتعلم المعرفة بوصفها معلوماتٍ تُحفظ، بل بوصفها مسؤولية تُحمل، ومنهجًا يُبنى، ورسالةً تُؤدّى.

لقد دخلتُ تلك الجامعة طالبًا يسعى إلى تحصيل العلم، وخرجتُ منها أحمل ما هو أبعد من ذلك؛ خرجتُ وأنا أُدرك أن قيمة العلم لا تكمن في الشهادة التي تُعلَّق، بل في الوعي الذي يتشكّل، وفي الأثر الذي يُترك، وفي القدرة على أن يتحوّل ما نتعلمه إلى قوةٍ فاعلة في واقعنا، لا مجرد رصيدٍ نظري معزول.

وفي كامبريدج، رأيت كيف تُبنى المؤسسات على احترام العقل، وكيف يُدار الاختلاف دون أن يتحوّل إلى صراع، وكيف يُكرَّم الجهد دون تردّد، لأن المعايير واضحة، والميزان قائم على العمل لا على غيره.

وهناك أيضًا، تعلّمت أن الهدوء في النقاش قوة، وأن الحجة الصادقة تغني عن أي انفعال، وأن الإنسان كلما ازداد علمًا، ازداد اتزانًا.

لكن، وربما كان هذا هو الأهم، أنني أدركت أن التجربة لا تكتمل إلا حين تعود بها إلى بيئتك، لا لتقارن فقط، بل لتبني، ولا لتنتقد فحسب، بل لتُضيف.

فالعلم الذي لا يعود إلى مجتمعه، يظل ناقص الأثر، مهما بلغ من العمق.

وحين غادرت كامبريدج، لم أكن أغادر مكانًا فقط، بل كنت أودّع مرحلةً صنعت في داخلي الكثير؛ فيها عشت مع ذاتي، وفيها تبلورت رؤيتي، ومنها بدأت تتشكل ملامح مشروعي للمستقبل.

لقد كانت تلك السنوات مختبرًا حقيقيًا للإرادة، وميدانًا لاختبار الصبر، وساحةً تلاقت فيها المعرفة مع المعاناة، حتى خرجت النتيجة على هذا النحو الذي أراده الله سبحانه.

ولم يكن ما تحقق في تلك المرحلة نهاية الطريق، بل كان بدايته الحقيقية؛ إذ إن الشهادة—مهما بلغت قيمتها—تبقى خطوة، أما الطريق فممتد، والتحدي الحقيقي يبدأ بعد ذلك، حين يُطلب منك أن تُثبت أن ما تعلمته لم يكن ظرفًا عابرًا، بل جزءًا من تكوينك، ومنهجًا في حياتك.

ومن هنا، فإن خروجي من كامبريدج لم يكن خروجًا من تجربة، بل انتقالًا بها إلى ميدانٍ آخر؛ ميدان الواقع، حيث تُختبر الأفكار، وتُواجه القناعات، ويُعاد تعريف النجاح بمعايير مختلفة.

وهناك، يبدأ السؤال الحقيقي: ماذا ستفعل بما تعلمت؟وهكذا، أغلقتُ صفحة كامبريدج، لا بوصفها ذكرى تنتهي، بل بوصفها أساسًا يُبنى عليه؛ بل أساسًا يحمل في داخله معنى الالتزام، وقيمة الصبر، وصدق التوجّه، ويؤكد أن من سار على الطريق بصدق، فإن الله سبحانه يفتح له من الأبواب ما لم يكن في الحسبان.

فالحمد لله رب العالمين، الذي كان معي في كل خطوة، وكتب لي أن أبلغ هذه المرحلة، ليس بحولي ولا بقوتي، بل بتوفيقه سبحانه، ولا بجهدي وحده، بل بعونه وفضله , وكما يقول سيدنا علي بن ابي طالب رضي الله عنهإذا لم يكن عَوْنٌ من الله للفتى = فأوَّلُ ما يجني عليه اجتهادُهُوإن كان عونُ الله للعبدِ واصلا = تأَتَّى له من كُلِّ شيءٍ مِدادُهُ.

قال تعالى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ ۚ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113) سورة النساء.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك