في قلب أوروبا، حيث يُفترض أن تحظى الديمقراطية والحريات الأساسية بأعلى درجات الحماية، تتفجر فضيحة تجسس رقمي هائلة تكشف عن وجه مظلم داخل المؤسسات الأوروبية نفسها، فبرامج تجسس متطورة مثل Pegasus spyware وPredator spyware وGraphite spyware تحوّل الهواتف الشخصية إلى أدوات مراقبة دائمة، تستهدف السياسيين والصحفيين والنشطاء والمحامين داخل دول الاتحاد.
ووفقًا لصحيفة EUobserver، يصل الأمر إلى مستوى صادم، فملايين اليوروهات من أموال دافعي الضرائب الأوروبيين تنتهي في جيوب شركات تجسس تُستخدم منتجاتها للإضرار بالأوروبيين أنفسهم.
وفي أواخر فبراير الماضي، أصدرت محكمة جنح أثينا حكمًا تاريخيًا في فضيحة" بريداتورجيت" اليونانية، التي هزّت أركان الديمقراطية في البلاد وأثارت صدى واسعًا داخل أوروبا.
وأدانت المحكمة أربعة من كبار التنفيذيين في شركة Intellexa، بينهم مؤسسها Tal Dilian، إلى جانب Sara Hamou وFelix Bietzios وGiannis Lavranos، بأحكام إجمالية تصل إلى 126 عامًا وثمانية أشهر لكل منهم.
وشملت التهم انتهاك سرية الاتصالات، والدخول غير المشروع إلى أنظمة المعلومات، والتلاعب بالبيانات الشخصية، وقد استُخدم برنامج" بريداتور" لمراقبة عشرات الصحفيين والسياسيين ورجال الأعمال.
ورغم تعليق تنفيذ الحكم لحين الاستئناف، فإنه يمثل سابقة تاريخية في أوروبا، إذ يُعد أول تحرك قضائي مباشر لمساءلة مسؤولي شركات تجسس جنائيًا.
ومع ذلك، لم تُدن المحكمة أي مسؤول حكومي يوناني حتى الآن.
لكن القضية لا تتوقف عند اليونان.
فقد شهدت إيطاليا فضيحة مماثلة عُرفت باسم" باراغون"، استهدفت صحفيين ونشطاء إنسانيين ورجال أعمال، كما تكررت وقائع مشابهة في بولندا والمجر وإسبانيا وقبرص.
ورغم إنشاء لجنة تحقيق خاصة في European Parliament عام 2022، وصدور توصيات واضحة في 2023 تدعو إلى تنظيم صارم، لا تزال بروكسل — وخاصة European Commission والدول الأعضاء — متأخرة في اتخاذ إجراءات ملزمة، فلا توجد تشريعات موحدة، ولا عقوبات حقيقية، ولا حتى وقف لتجارة هذه الأدوات الخطرة.
والأكثر إثارة للقلق أن الاتحاد الأوروبي لم يعد مجرد متفرج، بل أصبح ممولًا نشطًا لهذه الصناعة، فقد كشفت تحقيقات استقصائية نشرتها EUobserver ومنصتا Follow the Money وApache عن تدفق ملايين اليورو من European Defence Fund وبرنامج Horizon Europe، إضافة إلى قروض من بنوك حكومية وجهات رسمية، إلى شركات تجسس تجارية، من بينها" إنتليكسا".
كما قدم European Investment Fund، التابع لـEuropean Investment Bank، تمويلًا مباشرًا لشركة Paragon Solutions عبر صندوق رأس مال مخاطر إسرائيلي، في خطوة أكدت European Commission حدوثها رسميًا.
وعندما واجه الصحفيون European Investment Bank بهذه الوقائع، جاء الرد باهتًا، إذ اكتفى البنك بالقول إن" الاستثمارات اتبعت القواعد الداخلية"، دون تقديم تفاصيل حول آليات المتابعة أو كيفية التحقق من استخدام الأموال، كما رفض الكشف عن مصير الاستثمار بعد سحبه من" باراغون" عام 2020.
ويكشف هذا الغموض عن فجوة خطيرة في الشفافية، تجعل من شبه المستحيل على European Parliament أو الجمهور تتبع أموال دافعي الضرائب، في صورة تعكس عجزًا ديمقراطيًا واضحًا ونقصًا فادحًا في المساءلة.
وتصف الصحيفة هذه البرامج بأنها تهديد وجودي للديمقراطية الأوروبية.
فهي لا تقوض حرية الصحافة فحسب، بل تضرب الحق في الخصوصية، وتآكل ثقة المواطنين في مؤسساتهم، وتضيّق المجال المدني، وتجعل التواصل الآمن شبه مستحيل.
وفي ظل الضغوط المتزايدة على تقنيات التشفير، تطالب منظمات حقوقية مثل European Digital Rights وCounter Balance بفرض حظر أوروبي شامل على صناعة برامج التجسس التجارية، ووقف فوري لكل أشكال التمويل العام، وتعزيز معايير الشفافية والمساءلة داخل المؤسسات المالية.
ويؤكد كاتبا التحقيق في EUobserver أن" لا شكل من أشكال هذه التكنولوجيا يتوافق مع الحقوق الأساسية".
وفي ختام تحليلها، تحذر الصحيفة من أنه إذا لم تتحرك بروكسل بإجراءات جذرية وحاسمة، فإن" الأخ الأكبر" الذي حذر منه George Orwell في روايته Nineteen Eighty-Four قد يتحول إلى واقع يومي داخل الاتحاد الأوروبي — ممولًا هذه المرة من جيوب دافعي الضرائب أنفسهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك