طرابلس – «القدس العربي»: تتجه الأنظار إلى مدينة سرت وسط ليبيا، مع انطلاق مناورات «فلينتلوك 2026» متعددة الجنسيات، في خطوة تُوصف بأنها اختبار عملي جديد لإمكانية تقريب المسافات بين المؤسستين العسكريتين في شرق البلاد وغربها، وسط حضور دولي تقوده الولايات المتحدة وشراكة مباشرة مع أطراف ليبية منقسمة منذ سنوات، ما يعيد إلى الواجهة ملف توحيد المؤسسة العسكرية كمدخل رئيسي لتحقيق الاستقرار السياسي والأمني.
وتأتي هذه المناورات في سياق تحركات متسارعة تشهدها ليبيا على أكثر من مستوى، إذ قال مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، إن «فلينتلوك 2026» تمثل خطوة مهمة نحو التكامل العسكري في ليبيا وتعزيز التعاون الأمني الإقليمي، مشيدًا بمشاركة ضباط ليبيين من الشرق والغرب في قيادة هذه الجهود، ومؤكدًا أن بناء مؤسسات عسكرية موحدة يُعد شرطًا أساسيًا لتحقيق سلام دائم في البلاد.
وأشار بولس إلى أن الولايات المتحدة ستواصل دعمها للتعاون مع القوات الليبية، خاصة تلك القادرة على الإسهام في تحقيق الاستقرار الإقليمي، في إشارة تعكس استمرار الانخراط الأمريكي في الملف الليبي من زاوية أمنية وعسكرية، بالتوازي مع المسارات السياسية المتعثرة.
وفي تطور ميداني، أعلن نائب قائد قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، صدام حفتر، بدء تنفيذ التدريبات والمهام التعبوية ضمن التمرين، مؤكدًا أن الوحدات العسكرية الليبية المشاركة، إلى جانب قوات القيادة الأميركية في أفريقيا «أفريكوم» والقوات الإيطالية، باشرت العمل وفق أعلى معايير التنسيق والانضباط العسكري، في أول تجربة من نوعها تستضيفها ليبيا على هذا المستوى.
وأوضح صدام حفتر أن مشاركة هذه القوات تعكس تطورًا ملحوظًا في قدراتها خلال السنوات الماضية، مشيرًا إلى أن هذا التقدم يعزز الجاهزية القتالية ويدعم جهود الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي، في وقت تسعى فيه البلاد إلى إعادة بناء مؤسساتها العسكرية بعد سنوات من الانقسام.
ويحمل اختيار سرت لاحتضان هذه المناورات دلالات رمزية وعملية في آن واحد، إذ تقع المدينة على خط التماس السابق بين قوات الشرق والغرب منذ اتفاق وقف إطلاق النار عام 2020، ما يجعلها نقطة اختبار حقيقية لأي مسار توحيدي، سواء كان عسكريًا أو سياسيًا، خاصة مع مشاركة وحدات من وزارة الدفاع التابعة لحكومة «الوحدة الوطنية الموقتة» في طرابلس، وأخرى تابعة لقوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر.
وحسب بيان مشترك صدر عن ليبيا والولايات المتحدة وإيطاليا، فإن «فلينتلوك» يعد التمرين السنوي الأبرز للعمليات الخاصة التابعة للقيادة الأمريكية في أفريقيا، ويضم قوات من أكثر من 30 دولة، مع تنفيذ تدريبات تشمل سيناريوهات جوية وبرية وبحرية تهدف إلى رفع الجاهزية وتعزيز التنسيق بين الجيوش المشاركة.
محطة تاريخية مهمة وأكد البيان أن استضافة ليبيا لجزء من التمرين تمثل «محطة تاريخية مهمة»، إذ تعكس التزام القوات الليبية المشاركة بالأمن الإقليمي، كما تبرز دور الشراكات الدولية في دعم بناء جيش موحد، قادر على مواجهة التهديدات، وعلى رأسها الإرهاب والجريمة المنظمة.
وتبرز إيطاليا كشريك أساسي في هذه المناورات، من خلال دورها في التخطيط والدعم اللوجستي، ما يعكس اهتمامًا أوروبيًا متزايدًا بالاستقرار في ليبيا، نظرًا لارتباطه المباشر بملفات الهجرة وأمن الطاقة في منطقة المتوسط، خاصة في ظل التنافس الدولي على النفوذ داخل البلاد.
ولا تنفصل هذه التطورات عن سياق أوسع من التحركات الأمريكية التي بدأت منذ عام 2025، حين أعلنت «أفريكوم» إدراج ليبيا ضمن مناورات «فلينتلوك»، في خطوة اعتُبرت آنذاك مفاجئة لكنها ذات أبعاد استراتيجية، تهدف إلى استيعاب الأطراف الليبية المتنافسة ضمن إطار أمني مشترك، والتركيز على التهديدات العابرة للحدود بدلًا من الصراع الداخلي.
ويرى مراقبون أن هذه المقاربة تعكس تحولًا في السياسة الأمريكية تجاه ليبيا، من دعم طرف على حساب آخر إلى محاولة بناء توازن يتيح العمل مع جميع الفاعلين، بما يسهم في تقليل حدة الانقسام، وإن لم ينجح حتى الآن في تحقيق اختراق سياسي واضح، خصوصًا مع استمرار تعثر مسار الانتخابات.
وفي هذا الإطار، تؤكد واشنطن أن التعاون العسكري يمكن أن يكون مدخلًا عمليًا لإعادة بناء الثقة بين الأطراف الليبية، خاصة أن التنسيق الميداني المشترك قد يخلق أرضية واقعية لتقارب أوسع، وهو ما تحاول مناورات «فلينتلوك 2026» ترسيخه من خلال جمع القوات المتنازعة في تدريبات موحدة لأول مرة بهذا الشكل.
لكن في المقابل، لا تخلو هذه الجهود من تحديات، إذ يشير محللون إلى أن توحيد المؤسسة العسكرية لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن حل سياسي شامل، يحدد بوضوح هيكل القيادة والسيطرة، ويعالج ملفات حساسة مثل توزيع الصلاحيات والموارد، إضافة إلى مسألة الشرعية التي لا تزال محل خلاف بين الأطراف المختلفة.
كما تثير هذه المناورات تساؤلات حول أبعادها الجيوسياسية، في ظل سعي الولايات المتحدة إلى تعزيز حضورها في منطقة جنوب المتوسط، وموازنة نفوذ قوى دولية أخرى مثل روسيا والصين، ما يجعل ليبيا ساحة تنافس مفتوحة تتجاوز حدودها الداخلية.
ورغم هذه التعقيدات، تبدو «فلينتلوك 2026» خطوة عملية نحو اختبار إمكانية تحويل التعاون العسكري إلى رافعة للاستقرار، خاصة إذا نجحت في خلق قنوات تواصل مستدامة بين القيادات الميدانية، وهو ما قد ينعكس لاحقًا على المسار السياسي، الذي لا يزال يراوح مكانه منذ سنوات.
وفي ظل استمرار الانقسام المؤسسي وتعدد المبادرات السياسية غير المكتملة، تبقى هذه المناورات مؤشرًا على أن المسار الأمني قد يكون، في هذه المرحلة، الأكثر قدرة على تحقيق تقدم ملموس، ولو بشكل تدريجي، نحو هدف طال انتظاره، وهو بناء دولة ليبية موحدة تمتلك مؤسسات عسكرية وأمنية قادرة على فرض الاستقرار وحماية السيادة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك